أمل الحارثي (الأردن)

بيت الرُّعب

الأربعاء ٢٠١٨/١٢/٠٥م   |   ١٤٤٠/٣/٢٧ هـ

أَطلقت الأمم المتّحدة كما في كُلّ عام حملةً لمناهضة العنف ضدّ المرأة، تستمرّ 16 يومًا. تبدأ الحملة من 25 تشرين الثاني/نوفمبر، وتستمرّ إلى 10 كانون الأول/ديسمبر، بهدف توعية الناس بضرورة القضاء تمامًا على كلّ أشكال العنف التي تُواجهها المرأة؛ لِما للعنف من آثار سلبيّة في صحّتها الجسدية والنفسية، التي تنعكس بدورها على الأسرة والمجتمع.

نَشرت الحملة عدّة دراسات قامت بها منظّمة الأمم المتّحدة، تَحمل أرقامًا مفزعة ومفاجئة. منها دراسة مخيفة بيّنت أنّ مِن بين كلّ 10 حالات قتْلٍ للنساء في العالم، هناك 6 حالات جرت داخل البيوت المغلقة من قبل الزوج أو أحد الأقارب؛ ما يجعل البيت المكانَ الأكثر خطورة للفتاة أو للمرأة، وأشدَّ خطورةً مِن الشارع ومِن المدرسة ومِن الجامعة وبيئات العمل المختلفة.

كيف تَحوّل البيت الذي مِن المفروض أنْ يكون المسكنَ الآمن، الذي تأمن فيه الفتاة على نفسها، إلى مَسْلخ تُضرب فيه وتُهان، وأحيانًا تُقتل؟! وكيف أضحى حلم الكثير مِن الفتيات هو الهروب مِن بيوتهنّ، حتّى ولو إلى المجهول؟! أينَ الرحمة والأُلفة والسكينة بين الأب وبناته، والأخ وأخته، والزوج وزوجته؟! وكيف ساءت العلاقة بين الجنسين حتّى أضحت كعلاقة الفريسةِ بالمفترس؟!

كم زيجةٍ فاشلةٍ وقعَتْ فيها فتياتٌ، هروبًا مِن قمع أبٍ أو أخٍ في المنزل، لترميَ نفسها في أحضان معنِّف مريض، فتَترك جحيمًا لتعيش في جحيم أكبر! وكم مِن فتاةٍ زُوّجت وهي طفلة لطمع الأهل في مهرها! وكم مِن فتاةٍ قُتلت بدافع الشرف ولم يُحاسَب الفاعل، فيتشجّع كلُّ مريض على تكرار الفعل الشائن، لأنّه أمِنَ العقوبة فأَجرم وتمادى! وكم مِن فتاةٍ احترفَت الدعارة هروبًا مِن بيتٍ يُستباح فيه جسدها من محارمها! وكم مِن فتاةٍ خُتنت لتُحرم واحدًا من حقوقها الإنسانيّة، وتُكمل باقي حياتها معذّبة مقهورة!

إنّ التربية القائمة على فوقيّة الذكَر وأفضليّته، والتي –يا للأسف- تُشارك في تكريسها النساءُ قبل الرجال، هي التي جعلت مِن بيوت الكثير بيوتَ رُعب، لا تجد فيها الفتاة الأمان. فيتحوّل البيت إلى بيئة طاردة تؤثّر في حياة الفتاة واختياراتها، وتتراكم الأخطاء، ويحترق العمر في الهروب ومحاولات الهروب. إنها تربية مدعومة بقوانين متساهلة لا تُعاقِب الأب أو الأخ أو الزوج على الضرب، بل تعتبره نوعًا من أنواع التأديب، متناسيةً أنّ مَن يَحمي حِمَى الأدب قد يكون هو نفسه الأكثر حاجةً إلى التأديب، كالأخ الذي يُعنّف أخته على كلّ تصرّف بدافع الشرف، في حين يتفاخر هو بعلاقاته النسائيّة المحرّمة، كنوع مِن أنواع “الفًهْلويّة” (المهارة) التي تستحقّ الفخر، في ازدواجيّة اشتهرت بها مجتمعاتنا العربية، حيث الذَّكَر لا يُعيبه شيء، في الوقت الذي تعيش فيه الفتاة في بلّورة زجاجيةٍ، الويلُ لها إنْ خُدشت.

قد يسأل سائل: ما الذي يدفع امرأةً إلى قَبول التعنيف؟! والإجابة ببساطة أنّ العنف لا يأتي وحيدًا، بل يسبِقه عمليّة مُمَنهجة لقَصْقصة أجنحة الفتاة وتجريدها مِن أسلحتها، وأهمُّها العلم والعمل. فبدونهما لا تستطيع الفتاة الاعتراض، وأيُّ تصرّف بالمقاومة والرفض، فقد يعني لها الخروج مِن دائرة الأمن المادّيّ الذي لا تستطيع توفيره لنفسها. على الفتاة أنْ تعرف أنّ باب الخلاص أمامها يتلخّص في العمل والعلم. كثيرون ينصحون الفتاة بالتعلّم وأخذ الشهادة دون نصحها بالعمل، وفي هذا مغالطة كبيرة؛ إذ إنّ الشهادة وحدَها دون ممارسةٍ وخبرةٍ تصبح بعد فترة بلا قيمة. وهذا يفسّر تعرُّض نساء متعلّمات للتعنيف أيضًا.

العمل والاعتماد على الذات هو صِمَام الأمان للفتيات، والعمل قد لا يحتاج إلى شهادة في كثير مِن الأحيان، كالحِرَف بأنواعها. إلّا أنّ العلم مطلوب لتّتسع المدارك، وتتوسّع الآفاق، والمعرفة والثقافة تساعدان المرأة على اتّخاذ القرارات المناسبة، وتَفتحان لها أبواب رزق متنوعة، إضافةً إلى تأثير الثقافة في تربية الأبناء والبنات تربية صحيحة فلا تتكرّر قصص الظلم، وتخرج الفتيات مِن دائرة العنف المنزليّ والاستعلاء الذكوريّ. وهذا لن يَحْدُث إلّا إن اقتنعت المرأة نفسُها بضرورة كسر الحلقة المفرَغة، وتنشئة الذكور على احترام الأنثى وتقديرها، والتعامل معها كإنسان له الحقوق نفسها، ويجب أنْ يَحظى بالفرص نفسها. عندها فقط، سيتحوّل البيت إلى مسكن تجد فيها الفتاة الراحة والبيئة المناسبة، فلا تتسرّع في قرار طائش للهروب مِن بيتها، الذي قد يَظهر لها كبيت الأشباح.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.