الرئيسية > رأي عام > مقالات > تأنيث مجتمعاتنا وتجديد فهمنا للقوامة
رشيد سعدي (المغرب)

تأنيث مجتمعاتنا وتجديد فهمنا للقوامة

الأربعاء ٢٠٢٠/١٢/١٦م   |   ١٤٤٢/٥/٢ هـ

يعيش المغرب في السنوات الأخيرة -على غرار مجتمعات مسلمة أخرى كثيرة-، تحوُّلًا اجتماعيًّا وفكريًّا عميقًا، لا يزال المجتمع يبحث عن دلالاته وطرق تدبيره، خصوصًا أنه مرتبط بأنماط التفكير الديني المترسخة، وأيضًا بفهم النصوص الدينية والمنظومة الفقهية.

أبانت نتائجُ الولوج في مهن التربية والتعليم هذه السنة، اكتساحَ الإناث واستحواذهن على أغلب المناصب بنسبة 83%. وهو ليس بالشيء الجديد، بل جزء من مسار تحوُّلي للنساء في صناعة مسار التفوق، مع تفكيك الأفكار النمطية حول محدودية التفكير والذكاء النِّسوِيَّين، والذي أصبح يتجاوز مجالات كلاسيكية بسيطة، نحو ميادين علمية معقدة (أكاديمية وعملية، مثل الطب والهندسة وغيرهما).

كشفَت الكثيرُ من ردود الفعل على هذا التحول المتنامي، وولوج المرأة المتزايد في العمل المؤسساتي، عن حالة صدمة فكرية. بعضهم تحدَّث بقرب حدوث خلل عميق في طبيعة الأسرة، وذهب بعضهم إلى ضرورة استعداد النساء للزواج برجال يمكثون في المنازل، وأقلَّ شأنًا من زوجاتهم. بل إن هناك من تنبأ بتحوُّل المجتمعات من النموذج الأبيسي (سلطة الأب)، نحو النموذج الأميسي (سلطة الأم). بعضهم الآخر ربط ما يحدث في الكثير من المجتمعات العربية، بمؤامرة عالمية تُحاك ضد الإسلام ومجتمعاته، من خلال ترحيل المرأة من مكانها الطبيعي (المَنزل)، وتفكيك الترابط الأسري.

تُعبِّر ردود الفعل هذه عن صدمة الحداثة، أي حالة ارتباك معرفي وحيرة دينية، تُميز مراحل التحول الاجتماعي الذي يمسُّ البُنيات المؤسَّسة على أساس أبوي ديني. ويثير تحقيق النساء التدريجي لاستقلالهن المادي، نقاشًا حول مفهومٍ مركزي في التنظيم الاجتماعي الإسلامي، ألَا وهو مفهوم القِوامة.

تعني القِوامة وجوب إنفاق الرجل على زوجته. وقد جعَل الفقهاء ذلك من أسباب تفضيل الرجال على النساء، وجزءًا من منظومة تفضيلية -قد تكون تمييزية- أوسع، مثل جعلِ شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد انطلاقًا من فكرة نقصان عقل المرأة، وأيضًا منعِ المرأة -عند أغلب الفقهاء- من الولايات الكبرى كالقضاء والخلافة.

لأن الرجل يمتلك مقومات تفضيلية كما لو كانت طبيعة أزلية وأبدية، فإن الأدوار الاجتماعية ستظل ثابتة. تفترض هذه التفسيرات فكرة وجود طبيعة أو فطرة نِسوية أبدية وثابتة، متناسيةً أن النساء لا يولدن نساء، بل يصبحن كذلك في السياقات الثقافية والاجتماعية. ثم إن العِلم لا ينفك يُفنِّد الكثير من الأفكار المقدَّمة حول دونية النساء، والتفوق السيكولوجي والمعرفي للرجال؛ ما يفسر قدرة النساء على تطوير قدراتهن، دونما مسِّ طبيعتهن الجوهرية أو العاطفية.

إن محاولة الربط بين ثبات النصوص الدينية وثبات الطبيعة النسوية، جعلت الفقه يشكل أحيانًا عائقًا أمام مسارات اجتماعية، لا يمكن بأي حال إيقافها إلا من خلال هيمنة عنيفة وتمييزية، لا تنسجم مع روح التحرر والمساواة التي تؤسس لها النصوص القرآنية. من هنا جاءت ضرورة الانتقال من ظاهرية النص إلى مقصديَّته، ومن التفسيرات الفقهية التي كانت مسؤولة عن إقصاء تدريجي للمرأة من الفضاء الاجتماعي والسياسي، إلى العدل القرآني والرسالة الأخلاقية للإسلام بشأن الروابط الإنسانية، دونما أن نتجاهل المسارات التحررية، المرتبطة أساسًا بتحقيق النساء لطموحاتهن وكرامتهن.

إن حصول المرأة على استقلالها المادي يجعلنا نطرح السؤال: “هل لا يزال لِقِوامة الرجل معنًى في السياقات الحديثة؟” لا شك أن جوهر مؤسسة الزواج هو التراحم والتَّوادّ، لكن ذلك لا يتعارض مع إعادة فهم القِوامة نفسها، نحو قِوامة متبادلة مبنية على الحب والثقة، وتقديس الحياة الزوجية، وتقاسم أعباء الأسرة، حتى ولو كانت المرأة هي من تنفق عليها. لذا، فإن الأسرة التي لا تحكمها القوامة التقليدية، لا تعني بالضرورة أسرة مفكَّكة أو متحلِّلة، تقُودها زوجة منفلتة من قواعد الحياء. تصبح القِوامة مسؤولية أخلاقية مشتركة، لا تَفترض أية أفضلية أو طاعة عمياء، لأن الأفضلية الوحيدة الثابتة هي العمل الصالح والتقوى.

إن مجتمعاتنا لا تزال تعيش انفصامًا بين عمق التحولات الاجتماعية والأطر الفكرية التقليدية، التي تضع المرأة أحيانًا في وضع خضوع غير مبرَّر دينيًّا حاول الكثير من الفقهاء تبريره. هي حالة انفصام، خَبِرتُها شخصيًّا لدى الكثير من أصدقائي، الذين يَقبلون فكرة أن تظل النساء في بيوتهن. ومع ذلك، لا يجدون حرجًا في أن تتبوَّأ بناتهم المناصب العليا، التي تجعل من الصعب أن تكون المرأة موضع وصاية.

إن دخولنا الحداثة هو شيء مكلِّف، لأنه يعني أيضًا أن نبقى أوفياء لأخلاق المساواة والحرية في الإسلام. لذا، فإن التحولات التي نعيشها قد تكون مؤلمة، لكنها تشكل طريقًا إلى التفكير في تجديد نموذج السلطة، الذي جرى بناؤه في إطار الفقه التقليدي. إن التأنيث المتزايد لمجتمعاتنا، يعني أن وظيفة الدين والإيمان ليست هي كبح التحولات الاجتماعية، بل تعليمنا كيف ندبر اجتماعيًّا ونؤطِّر فكريًّا وتأويليًّا مثل هذه التحولات، من خلال فقهٍ متجدد، دون أن نَشعر بالاغتراب عن منظومتنا الإيمانية.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.