الرئيسية > رأي عام > مقالات > تبادل الكراهيَة في سهل نِينَوى
سعد سلوم (عراق)

تبادل الكراهيَة في سهل نِينَوى

الإثنين ٢٠١٩/٩/١٦م   |   ١٤٤١/١/١٧ هـ

سهْلُ نِينَوى هو عِراقٌ مصغَّر، هو مساحة تحتوي جميع ألوان التَّنوُّع الدِّينيِّ والإثنيِّ واللُّغويِّ، في المجتمع العراقيِّ تقريبًا. بعد سيطرة تنظيم داعش عليه عام 2014، وقع سكَّانُه ضحيَّةً لجرائم التَّطهير العِرقيِّ وتدمير التُّراث الثَّقافيِّ والدِّينيِّ، فنزَحوا إلى إقليم كوردستان، واتَّجه قِسم منهم إلى وسط البلاد وجنوبه. لكنَّ تَحرُّر السَّهل من تنظيم داعش، كان إيذانًا ببدء صراع داخليٍّ بين ضحايا التَّنظيم المتطرِّف من الأقلِّيَّات نفسها. فقد ارتفعَت الحساسيَّات بين المسيحيِّين والشَّبَك، وعاد النَّازحون/ات إلى منازلهم المنهوبة والمدمَّرة، مع سرديَّات متنافسة واتِّهامات متبادَلة، غذَّت خطابات الكراهيَة بين الجانبَين.

فضْلًا على تمسُّك المسيحيِّين/ات بسهْل نِينَوى، بوصفِه منطقة مسيحيَّة الطَّابع والهُويَّة، فإنَّ لِلشَّبَك ارتباطًا وُجوديًّا بأراضيهم الخصبة في سهل نِينَوى أيضًا. ولِلتَّعريف بالشَّبك، فإنَّهم أقلِّيَّة مُسْلمة بهُويَّة مركَّبة، غالبيَّتُهم اليوم (ما يَقرب 70%) من الشِّيعة الإماميَّة (الاثنَي عشريَّة)، والباقون من السُّنَّة. ولكن، مع انقسامهم المَذهبيِّ، فإنَّهم يشتركون في ميراث عقائديٍّ طَقْسِيٍّ خاصّ من “العِرفان والتَّصوُّف”، وهو ما يميِّز هُوِيَّتهم الثَّقافيَّة والدِّينيَّة، ويتحدَّثون بِلُغة تتميَّز عن العربيَّة والكورديّة. ولِلشَّبَك تاريخ من التَّعايش المشترَك عُمره قُرون، مع بقيَّة الأقلِّيّات الدِّينيَّة كالمسيحيِّين والإيزيديِّين والكاكائيِّين، في منطقة سهل نِينَوى.

إنَّ خطورة خطابات الكراهيَة، الَّتي يجري تَبادلها بين بعض أفراد الشَّبَك والمسيحيِّين، أو بعض الاتِّهامات المسيحيَّة للشّبك بالتَّغيير الدِّيموغرافي، تستدعي عملًا منظَّمًا لاستعادة بناء الثِّقة، من خلال الحوار المتواصل بين الطَّرفَين. وحسَب الرَّصد الَّذي أجراه فريق مركز الوطنيِّ لمواجهة خطابات الكراهيَة في بغداد التابع لمؤسسة مسارات في تقريره “مجتمع الكراهيات العميقة”، وصل عدد رسائل الكراهيَة المتبادلة بين الشّبك والمسيحيِّين إلى 1263 رسالة كراهية، جرى تَبادلها أثناء الاحتفال بالكريسمس سنة 2019، وبالتَّحديد أثناء قيام فريق من الشَّباب/الشّابَّات المتطوِّعين/ات من المسيحيِّين والشّبك، بإطلاق مبادرات لتخفيف حدَّة الكراهيات، بيْدَ أنّها جُوبِهَت بخطابات كراهيَة داخليَّة (أيْ بيْن الشَّبَك والمسيحيِّين ضدّ القائمين على المبادرة من الفريقَين أنفسِهما)، وذلك كالآتي:

  • 479 رسالة كراهيَة من الشَّبَك، ضدّ شباب المبادرة من المسيحيِّين والشَّبَك.
  • 347 رسالة كراهيَة شبَكيَّة، ضدّ شباب المبادرة من الشَّبَك.
  • 437 رسالة كراهيَة مسيحيّة، ضدّ الشّبك.

تُوضح هذه الأرقام أنَّ أيَّ حوار شبكيٍّ مسيحيٍّ لإعادة بناء الثِّقة، ينبغي أن يكُون مسبوقًا بنقاش داخليٍّ مسيحيٍّ، ونقاش داخليٍّ شبكيٍّ؛ إذ يبدو أنَّ هناك قطاعًا من المسيحيِّين والشَّبَك، مُناهضًا لأيّة عمليّة حوار أو مدّ جسور بين المجتمَعَين، وهو أمر يشجِّع على حلول أكثرَ تطرُّفًا.

يهدِّد الصِّراع المسيحيُّ الشّبكيُّ في سهل نِينَوى، ميراثًا من التعايش عُمره مئات السَّنوات بين مكوِّناته. والخطير أنَّه يَنقل النِّزاع إلى داخل الأقلِّيَّات نفسها، مع انفتاح صراع على النُّفوذ والأرض، على نحوٍ يهدِّد بمزيد من التَّفتيت للمنطقة. ولتوفير بيئة آمنة، تُشجِّع النَّازحين/ات والمهاجرين/ات من الأقلِّيَّات على العودة؛ ينبغي أن يتَّخذ التَّطبيع مَسارًا أُفُقيًّا لإعادة بناء الثِّقة بين الجانبَين، من خلال توفير مستلزَمات حوار شبكيٍّ مسيحيٍّ بشأن الأُسس المشترَكة لإدارة سهل نِينَوى، ومَسارًا عَموديًّا من خلال إعادة بناء كلٍّ منهما الثِّقة بالسُّلطة المركزيَّة في بغداد.

الهندسة العموديَّة لإعادة بناء الثقة بِبَغداد، تتعلَّق بقدرة الدَّولة العراقيَّة على توفير قدر من الاستقلاليَّة الإداريَّة للأقلِّيَّات في سهل نِينَوى، من خلال وضعٍ إداريٍّ مستقلٍّ للمنطقة وَفْق المادَّة 125 من الدُّستور. وقد قدَّمت الحكومة العراقيَّة الحاليَّة سيناريو للتَّخلُّص من الحساسيَّات المسيحيَّة الشّبكيَّة، يتمثَّل بقرار خاصٍّ باستحداث وَحَدات إداريَّة خاصَّة بالشَّبَك، وعزْلِهم عن المسيحيِّين لمنع حدوث أيِّ احتكاك بين الجانبَين. ونعتقد أنَّ تأسيس وَحَدات إداريَّة على أساس طائفيٍّ أو إثنيٍّ، وليس على أساس جغرافيٍّ أو إداريٍّ، يُشكِّل ضربة لفكرة التَّعايش السِّلميِّ بين جميع مكوِّنات سهل نِينَوى، من المسيحيِّين والشَّبَك والتُّركمان والإيزيديِّين والعرب والأكراد والكاكائيِّين.

إنَّ من الأهمِّيَّة بمكان، تنفيذ المقاربة المناسبة على أرضيَّة من القبول الجماعيِّ للأطراف مَحلِّ النزاع، والاتِّفاق على الطريقة المُثلَى لضمان مصالحهم المشترَكة، للحيلولة دون ترك انطباع خاطئ، عن كَون الحلِّ مَدخلًا إلى تفتيت البلاد على أُسُس إثنو-دينيّة، في وقت يُعدُّ فيه خلْق جزيرة دينيَّة منعزلة ومكتفية ذاتيًّا من النَّاحية الاقتصاديَّة، مجرَّد حُلم رومانسيٍّ في ظلِّ عالَم الاعتماد المتبادل، وفي ضوء تاريخ التَّعايش بين جميع المكوِّنات الدِّينيَّة والإثنيَّة واللُّغويَّة في منطقة سهل نِينَوى، طَوال القرون الماضية.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.