الرئيسية > رأي عام > مقالات > تدبير التعددية الدينية وإمكانيَّة الفعل التاريخي
رشيد سعدي (المغرب)

تدبير التعددية الدينية وإمكانيَّة الفعل التاريخي

الإثنين ٢٠٢٠/٢/١٠م   |   ١٤٤١/٦/١٦ هـ

شهد المَغرب الأسبوعَ الماضي حدَثًا ذا دلالات عميقة، حيث أعلنَت منظَّمة مغربية للأقلِّيَّات الدينية (مسيحيِّين وشيعة مَغاربة)، قرارَ المشاركة في المسيرة التضامنية التي تُنظِّمها أحزاب سياسية وجمعيات مَدنيَّة، لرفض ما يُسمَّى “صفقة القرن”، والتعبير عن دعمها للقضية الفلسطينية. لكنَّ نقاشًا حادًّا دارَ داخل المنظمة بشأن قرار المشاركة، أصائبٌ هو أم لا. وأكَّدَت تيَّارات داخل الأقليات الدينية عدم المشاركة، بسبب عدم “اعتراف الجهات المنظِّمة لهذه المسيرة بالحقوق الدينية للأقليات الدينية بالمغرب”، وقامت بتوجيه الانتقادات إلى الإسلاميِّين (المشاركين الأساسيِّين في هذه التظاهرة)، الذين يرفضون الاعتراف بالحقوق الدينية والمدنية لهذه الأقليات؛ ما يضع المَغاربة غير المسلمين في وضعية مُواطَنة من الدرجة الثانية أو الثالثة.

أيضًا صدرَت بلاغاتٌ صحفية عن بعض الحركات الأمازيغية، التي أعلنَت كذلك رفضها المشاركة في التظاهرة التضامنية، معتبِرةً أنَّ مُنظِّميها يستعملون القضية الفلسطينية، من أجل “دعم مشروع الإخوان المسلمين في العالم”، ودعم التيارات “الأصولية” و”الإرهابية”. وبِغضِّ النظر عن هدف هذه التصريحات، وعن وظائفها السياسية، فإنها تُعبِّر عن حالة ثقافية وسياسية لا تخصُّ المَغرب فقط، بل أيضًا دُوَلًا عربية عديدة، حيث تَطرح إشكاليَّة العلاقة بين تدبير التعدُّدية الدينية والثقافية من طرَف الدول أو الجماعات الدينية والثقافية المؤثِّرة من جهة، والقدرة على بناء الفعل الحضاري الإستراتيجيِّ في إطار المواطَنة الفاعلة من جهة أخرى. أيضًا تُبيِّن تلك التصريحات كيف أنَّ الفكر الديني الإقصائيّ وغياب سياسات الاعتراف، يعيقان بناء الشعور بالوَلاء تجاه القضايا المصيرية الكبرى، مثل القضية الفلسطينية.

قد يَسمح هذا التفسير بفهم حالة انعطاب الكثير من المجتمعات العربية والمُسْلمة، العاجزة عن الانخراط التاريخي في مشاريع سياسية أو ثقافية ذات بُعد إستراتيجيّ، وعن بناء مفهوم “الأُمَّة الجامعة”، التي تَظلُّ في الكثير من الأحيان جزءًا من الأساطير المؤسِّسة للجماعات الدينية المسلمة أكثر منه إطارًا فكريًّا ثقافيًّا أو حضاريًّا، يَسمح بانبثاق تَكتُّل يجد له مَوطنَ قَدمٍ في العالم الحديث. لهذا، يَسِمُ بعضُ المفكِّرين هذه المجتمَعات بالمجتمَعات “الطاردة للأقليات”، حيث تَتواطأ الأنظمة السياسية غير الدِّيمقراطية، مع الكثير من الجماعات الدينية -أو حتى غير الدينية-، لتأبيد الوضعيات التمييزية ضد الأقليات. والحال أن الكثير من الجهات السياسية، والجماعات الدينية المُنضمَّة إلى المظاهرة، عبَّرَت عن رفضها الاعتراف بالكثير من الحقوق الثقافية والدينية لبعض الأقليات في المَغرب، خصوصًا الدينية (حرية المعتقد)؛ ما يجعلها في وضع تَناقُض فكريٍّ، عندما تقُول بدعمها للقضية الفلسطينية، إذ إنَّ الانحياز إلى قضايا المضطَهَدين/ات انحيازٌ كامل، ولا يمكن أن يتجزَّأ.

يمْكن أنْ نفهم أيضًا، أن المجتمعات غير القادرة على الاعتراف بحقوق الأقليات في إطار مَدنيَّة الدولة، هي أكثرُ عُرضةً للاختراق الثقافي، أو حتى للتدخُّل الأجنبي، من منطلَق حماية الأقليات من الاضطهاد. وقد يصل الأمر إلى حدِّ تدمير النسيج الحضاري للمجتمعات، اعتمادًا على نظريَّات الانفجار من الداخل، أو الفَوضى الخلَّاقة. ففي المَغرب، لاحظْنا محاولات عدَّةً، لاستغلال نُقَط الانكسار الثقافية بين الأقليات (مثل الأقليات الأمازيغية)، من أجل تمرير خطابات تبريريَّة ضد الكثير من القضايا الإنسانية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي حظيَت دومًا بتعاطُف عميق وعفويٍّ للمغاربة، الذين اعتبروها قضية مصيرية.

تَكشِف هذه النِّقاشات داخلَ الأقليات الدينية، أزمةَ هُويَّة المجتمعات العربية ذات الأغلبية المُسْلمة. وهي أزمةٌ تتطلب ثورةً فكرية ودينية، حول التعدُّد والحريات. ولا يتعلَّق الأمر فقط بالقدرة على العيش معًا “Co-existence”، بل أيضًا بجعل هذا التعايش في خدمة العيش الاستشرافي “pro-existence”، أي بناء المشروع المشترَك والسياسات المستقبلية، وأيضًا الإجماع التاريخي.

لذا، على الفاعلين الدينيِّين، الذين يُقدِّمون أنفسهم على اعتبار أنهم الأكثرونَ انخراطًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية، أن يجسِّدوا هذه الرِّياديَّة الحضارية، من خلال إنجاز قطائع عميقة في أُطُرِهم الفكرية، خصوصًا فيما يرتبط بالعلاقة بين الدين والدولة، أو بالمواطَنة والانتماء الديني (الدولة المدنية)؛ ما يسمح ببناء الهُويَّة الجامعة التي تتجاوز مَقولات الأغلبية والأقلية، ويَضمن -ليس فقط- الانسجامَ الاجتماعي على صعيد الدولة، بل أيضًا الانسجام الحضاري، بشأن المَواقف التي يجب اتِّخاذها في القضايا الإستراتيجية الكبرى.

يبدو هذا التحول حيَويًّا في سياق بروز الهُويَّات العابرة للحدود، أو تَلاشي الحدود. لذا، فهذه المجتمعات مُطالَبة بالانخراط في سياسات الحَكامة التدبيرية للتعدد الديني والثقافي، لكي تَصنع قدرتها على الفعل التاريخي والحضاري، ولكي لا تتحول هذه التعددية إلى عاهة مجتمَعيّة وحضارية، قد تؤدِّي إلى تَفكُّك دول بكمالها.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.