الرئيسية > رأي عام > مقالات > تصحر المجال السياسي
أحمد ناجي (اليمن)

تصحر المجال السياسي

الخميس ٢٠٢٠/١١/١٢م   |   ١٤٤٢/٣/٢٧ هـ

سجَّلت المشاركة السياسية والانخراط في المجال العام، تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة في العديد من دول المنطقة العربية، مع بصيص الأمل الذي بثَّته الحراكات الشعبية، والتي انتهى الأمر بمعظمها إلى مزيد من الجمود السياسي، أو إلى انتكاسات أسوأ في بلدان نشأتها. هذا الأمر أدى إلى عدة انحرافات في ديناميكية تفاعل المجتمع مع المجال السياسي العام، ساهمت بدورها في تركُّز السلطة في يد طبقة محددة، صارت هي المهيمنة على المشهد العام، وأسَّست حالة من الإقطاع السياسي، حيث المجتمع ينقسم إلى فئتين حاكمة ومحكومة بطبيعتيهما.

من جهة أخرى، ضعُفت قدرات المجتمعات على إنتاج طاقات جديدة، تكسر رتابة هذه الطبقية القديمة بوصفها ظاهرة، والجديدة بوصفها طريقة. فقد تلاشت الكثير من معامل إنتاج قادة المجتمع، وضمُرت الأحزاب السياسية، وازدادت حالة العزوف السياسي. هذه الانتكاسات وغيرها حولت ساحة العمل الساسي العام إلى بيئة متصحرة، غير قادرة على إنتاج قيادات وكيانات تغيير فاعلة.

بمعزل عن النقاش الذي يدور حول الإطار النظري لِتَشكُّل المجال العام السياسي، وتعامُله مع التكتلات الاجتماعية والاقتصادية، فإنَّه مِن التساؤلات المطروحة في المنطقة العربية: كيف انتكست العديد من التجارب الديمقراطية المتواضعة، التي بدأت بالظهور في العقود الماضية ووصلت إلى طريق مسدود؟ وما الذي جعل حركات التغيير تتأرجح وتغُور في بلدان هي في أمس الحاجة إلى أن تُنتشل من واقعها الرديء؟ ولماذا تُغيَّب حركات التغيير السياسي المنظم، وتُحْظر بوصفها طفرات تغيير بلا رؤية عملية؟

الإجابات تبدأ بملاحظة حجم حركات التغيير الهامشية المتاحة، حيث تقلصت في معظم دول المنطقة بفعل سياسات القمع العنيف، وارتفع منسوب “مقاومة التغيير” في العديد من البيئات، وصُودر الكثير من الحقوق والحريات، ومنها حرية التعبير وممارسة العمل السياسي بمعناه الحقيقي لا الشكلي. في سياق كهذا، صارت منظومات الحكم تتعامل مع أي حركة إصلاح سياسي، بوصفها خطرًا يجب أن يزول. ومع تطبيق سياسة الإزالة هذه على عديد من الناشطين في المجال السياسي، تَحوَّل هذا الحقل إلى مساحة غير آمنة، يحاول الكثيرون تجنُّبَها.

أدت هذه السطوة إلى نشوء حركات التغيير الصلبة، حيث تتجمع الحراكات المقموعة لتُشكل قوة، تحاول أن توجد ثقبًا في جدار السلطة بأدوات القمع المستخدمة ضدها. وهنا، تتحول الحركات التغييرية إلى كيان ظِلٍّ مُوازٍ للسلطة وأدواتها وقمْعها. ومع زيادة رقعة الصراع بين السلطة وظِلِّها، تتناسى المجتمعات السلطة بوصفها متسبِّبًا رئيسًا لعسكرة حركات التغيير، وتحوَّل الصراع في نظر الكثير من أفراد المجتمع، إلى مواجهة بين سلطة تريد النظام ومجموعات تريد الفوضى.

من ناحية أخرى، ضعُفت الأحزاب السياسية وتكتلات إنتاج القيادات المجتمعية، وأصبحت غير قادرة على تحديث ذاتها، أو إنتاج مقاربات تتلاءم مع الواقع المتجدد. إضافة إلى ذلك، تحولت الأحزاب التي كانت تُعتبر صوتَ تصويبِ فعل السلطة إلى أحزاب موالية للسلطات، أو دخلت في صراعات بعضها مع بعض؛ ما جعلها تتلاشى في لحظة زمنية أهمَّ. لقد رأينا الكثير من الأحزاب الليبرالية في عديد من الدول العربية، يتراجع حضورها في المشهد السياسي، وبعضها الآخر تَحوَّل إلى مُمارس لأفعال سياسية طالما انتقدها.

زاد ضَعْفَ الأحزاب غيابُ العمليات الديمقراطية، حتى إنّ العديد من المجتمعات العربية لم يَعُد يتمتع برفاهية الانتخابات الشكلية. دفَع هذا الضَّعفُ إلى بروز كيانات هوياتية، قائمة على البعد الإيديولوجي. فحلَّت الجماعاتُ السياسية ذات المرتكز الديني محل الأحزاب السياسية المنفتحة، وبرزت القبيلة أو العشيرة السياسية مع تَواري الجماعات الوطنية برُؤَاها المتعددة. هذا التوجه غيَّر مفهوم الانخراط في المجال العام السياسي من نطاقه الواسع المتعلق بالصالح العام، إلى زاوية ضيقة مرتبطة بمصلحة الجماعة التي ينتمي إليها الأفراد.

مع بروز التحديات الاقتصادية الصعبة، التي ساهم في وجودها غياب الحكم الرشيد، تبدلت أولويات معظم أفراد المجتمع. فحلَّ الانخراط في المجال العام السياسي أخيرًا، في حين شكل الاقتصاد أولوية الأفراد القصوى. لم يَعُد الكثيرون يمتلكون القدرة والرغبة في النضال المجتمعي المستمر، الذي يأتي على حساب وضعهم المعيشي. شكَّل هذا الأمر انسحابًا جماعيًّا غيْر مُعلن من قبل المجتمعات، لمن يدير دفة السلطات الحاكمة -مهما كان سوء إدارته-. ومع غياب أُفق انتهاء هذه الحالة، لا بد من إدراك أنَّ تصحُّر العمل السياسي لا يساهم في تسميم الحاضر فحسب، بل أيضًا يَخلق على الهامش ثقافة سلبية في ذهنية الأجيال، تُحدد مواقفهم ومدى مسؤولياتهم تجاه قضايا الأوطان والمجتمع.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.