الرئيسية > رأي عام > مقالات > تغييبٌ أم غيابٌ للعدالة الاجتماعية في العراق؟
مصطفى سعدون (العراق)

تغييبٌ أم غيابٌ للعدالة الاجتماعية في العراق؟

الأربعاء ٢٠١٨/٢/٢١م   |   ١٤٣٩/٦/٦ هـ

 

خصَّصَت الأمم المتحدة يوم 20 شباط/فبراير من كل عام، تذكيرًا للعالم بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والتكافل، لتحقيق الأهداف التي وُضعت من أجل الوصول إلى عالم خالٍ من الفوارق الشاسعة، وقائمٍ على أساس المساواة والعدالة بين أفراده، وتخفيف نسب الفقر، والفقر المدقع.

ولكي تُبقي عجلةَ العالم تسير نحو تحقيق العدالة والمساواة، وإزالة كل ما يُمكن أن يُغيِّب هذا النظام الإقتصادي، وضعت الأمم المتحدة أهداف الألفية الثالثة للتنمية المستدامة، والتي بدأت تنفيذها في الأول من يناير 2016 حتى عام 2030. ولأن مفهوم العدالة الاجتماعية فيه شيء من الشعور بالآخر، ويتطابق مع مصطلحات الأمم المتحدة والدول الديمقراطية الكُبرى، صارت بعض الدول التي تُغيَّبه ولا تحترم حقوق الإنسان، ترفَعُه، وكأنه رخصة مرور نحو طريق الحصول على المِنَح والمساعدات الدولية.

أغلب الحكومات في العالم إن لم تكن جميعها، تُركز على ضرورة أن تُحقق العدالة ما بين الناس وتُزال الفوارق، إن كانت ضمن دولة ديمقراطية أو ديكتاتورية، فقيرة أو غنية. لكن، عادةً ما يكون ذلك غير مُطبّق على أرض الواقع، وبُلدان عربية عديدة يُمكن لها أن تكون مثالًا على هذا التغييب.

يُركز مفهوم العدالة الاجتماعية على ضرورة التخلص من كل الفوارق والمساحات الطبقية الشاسعة بين أفراد المجتمع، خاصة في قضايا توزيع الثروات، والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية. ويرتبط أيضًا بمبادئ حقوق الإنسان ارتباطًا وثيقًا. ولأن تلك المبادئ لا تُجزَّأ، فإن غيابه يُعدُّ انتهاكًا لحقوق الإنسان. والانتهاك لم يأتِ اعتباطًا أو من فراغ؛ بل لأن هُناك فاعلِين، وهؤلاء يجب أن يخضعوا للمحاسبة، لأنهم أسهموا في تغييب حق من حقوق الإنسان.

في العراق، وخلال الـ15 سنة الماضية التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، رفعت الأحزاب العراقية في عناوينها العامة أو ضمن برامجها الإنتخابية شعارات حول التشارك في الثروات، لكن، كل ذلك لم يتعدَّ الإطار الترويجي للحزب، فعلى أرض الواقع لا شيء يُذكر. تقول الإحصائيات والتقارير الاقتصادية إن من 600 إلى 800 مليار دولار، إختفت خلال الفترة ما بين عامَي 2006 – 2014، في وقت إرتفعت نسبة خط الفقر في العراق إلى 31%، وهذا ما يؤكد التغييب وليس الغياب، للعدالة الاجتماعية في العراق.

لم توزَّع الثروات في العراق قبل عام 2003 وبعده بطريقة متساوية، ولم تكن فرص العراقيين في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والوظيفية وحتى الإعلامية، متساوية. فكُل شيء كان بِيَد أفراد أو أحزاب سيطرت على القرار، وليس من قِبل مؤسسات تابعة للدولة العراقية.

يُمكن لهذا المفهوم الإقتصادي العادل إن تحقق، أن يضفي تطورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا على البلد، مثل: المساواة بين الجنسين، وإتاحة الفرصة الكاملة للمرأة في الترشح للانتخابات بطريقة تُساويها بالرجل. إن إعطاء المرأة دورًا مهمًّا في المجتمع وداخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، سيخلق مساحة من الثقة بين الجنسين، ومع وجود نساء وصَلْن إلى مجلس النواب، إلا أن وصولهنَّ يكون عبر الكوتا، وليس عبر فرص متساوية مع الجنس الآخر.

وعلى مستوى تطوير القُدرات البشرية، تلعب عملية التخلص من الفوارق الكبيرة، دورًا إيجابيًّا، فهي ستفسح المجال وبشكل واسع أمام الجميع، لتقديم أفكارهم ومشاريعهم بما يخدم مصلحة الناس، فلا تَبقى حبيسة رأس صاحب الفكرة أو المشروع، دون أن ترى النور أمام المُجتمع الذي سيحوِّلها عبر العدالة التشاركية، إلى خدمة للمصلحة العامة.

ولأننا في فترة تَعِجُّ بخطاب الكراهية، ويُروَّج لها بملايين الدولارات من قِبل دول وأحزاب وشخصيات، فإننا يُمكن أن نصل إلى مرحلة التعايش السلمي عبر الآلية التي تحدثنا عنها في الأسطر السابقة. فعملية جعلِ المواطنين متساوين أمام القانون وفي الحقوق والواجبات، سوف لن تخلق أي شعور بالغُبن أو الظُلم، ولن تدفع أي أفراد أو جماعات إلى الاحتجاج ضد حكومة أو دولة، بما يؤدي فيما بعد إلى الفوضى التي تُغيِّب حينها كل معايير العدالة.

لا يُمكن لغياب سوء إدارة الثروات وتوزيع الفرص أن يُحقق الاستقرار في المجتمع العراقي. فالحركات الاحتجاجية منذ عام 2011 في بغداد ومحافظات أخرى، لم تخرج بسبب حالتَي الاسترخاء والرفاهة اللَّتَيْن يعيشهما المجتمع، بل لأنه لا عدالة اجتماعية تُساوي بين العراقيين.

في المحصِّلة، أن الاستقرار لن يتحقق في العراق على مدى السنوات المقبلة. فالبلاد التي خرجت توًّا من حربٍ ضد الإرهاب، ستكون مقبلة على حركات احتجاجية واسعة بسبب غياب العدالة الاجتماعية على مستويات: القضاء، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، وحتى على مستوى تحقيق المصير. فهُناك عشرات الآلاف من العراقيين سيُحرمون الإدلاءَ بأصواتهم خلال الانتخابات المقبلة، لأنهم بلا أية أوراق أو مستمسكات تُثبت عراقيَّتهم.

 

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.