الرئيسية > رأي عام > مقالات > ثورة اللُّبنانيِّ(ة) على ذاته ولُغَته
كريستينا بطرس (لبنان)

ثورة اللُّبنانيِّ(ة) على ذاته ولُغَته

الثلاثاء ٢٠١٩/١٠/٢٩م   |   ١٤٤١/٢/٣٠ هـ

اللُّبنانيُّون واللُّبنانيَّات أعلنوها ثورة، مع اقتراب لُبنانِهم من مِئويَّته الأُولى. هي ثورة على المنظومة السِّياسيَّة الطَّائفيَّة، والتَّاريخ الفئويِّ الدَّمويِّ، لكنّها في الجوهر ثورة على الذَّات أيضًا.
أعلَن كثيرٌ من اللبنانيين/ات اليوم في الشَّارع، الثَّورةَ على ذاتهم الَّتي خضعَت للوضع القائم، والثَّورةَ على عقلهم الَّذي اعتقد أنَّ التَّغيير مُحال، والثَّورة على ضميرهم الَّذي سكَت عن الظُّلم، والثَّورة على خوفهم الَّذي دَفن تَمرُّدهم، والثَّورة على جماعتهم الَّتي اعتقدوا أنّها تحميهم، والثَّورة على هُويّتهم الَّتي تشرذمَت بين طائفة ودين وحزب، والثَّورة على انتمائهم الَّذي ما كان يومًا لبنانيًّا بَحْتًا، والثَّورة على لُغَتهم الَّتي مجّدت الطَّبقة الحاكمة.
لبنان بذاته: ينتفض، ويثُور، ويَنبض. هذه الأفعال الثلاثة ليست سرْدًا لتاريخ مَرَّ، ولا حُلمًا بمستقبل آتٍ؛ إنّما هي واقِعٌ حاضِر، هي اللَّحظة الثَّوريّة الَّتي حَلَم بها اللُّبنانيُّون/ات منذ انتهاء الحرب الأهليّة. “إنّها المرّة الأُولى الَّتي أشعُر فيها بأنّني لبنانيّة”؛ و”إنّها المرّة الأُولى الَّتي أَنزل فيها إلى الشَّارع، لأنّ العَلَم اللُّبنانيَّ هو وحْدَه المرفوع”، عبارتان من ضِمْن عبارات كثيرة كرّرها اللُّبنانيُّون/ات في الشَّارع، وكأنّ المُواطَنة الَّتي شعَروا بمعناها اليوم، كانت قَبْلًا مجرّد مفهومٍ في كتاب التَّربيَة المدنيّة، مفهوم لم يَلمسوه حتى خلال الانتخابات، الَّتي لطالما جُرِّدَت من الوطنيّة، بقوانين طائفيّة مُعلَّبة.
هذه الثَّورة على الذَّات، أسقطَت نظامَ الخوف والحَظْر، وأنتجَت في لحظة ولادتها خطابًا علنيًّا جديدًا، ومنحَت اللُّغة حياةً جديدة تعكس إرادة اللُّبنانيِّين/ات في: بيروت، والذُّوق، وصُور، وطرابلس، وجبَيل، والنَّبطيّة، والبترون، وبعلبك، ومناطق أخرى كثيرة. هذا الخطاب الَّذي كان خجولًا وخائفًا سنواتٍ طويلةً، فرَض نفسه، وتَصدَّر نشرات الأخبار، وعناوين صحفٍ محلِّيّة وعالميّة، ومَواقع التَّواصل الاجتماعي.
اِستعاد الشَّعب اللُّبناني بذلك مُلكيّة فضائه العامّ، وتَمكَّن من التحدّث بلُغَته الخاصَّة وبمنطقه الخاصّ، مِن قلب الشَّارع وبكلِّ حرِّيّة. خطاب النَّاس انتشر كما هو، بِتَهكُّمه وصِدقه وغضبه وبذاءتهِ ونقمته وفرحه وعمقه وسطحيَّته، تمامًا كما يجري الحديث في الاجتماعات العائليّة، وجلسات “النرجيلة”، وحِوارات الطَّلَبة والنَّاشطين/ات… هكذا ببساطة، لا لغة فصحى منمّقة، ولا تحضير سابق، ولا مونتاج، ولا مؤثِّرات صوتيّة.
هذا هو خطاب النَّاس الَّذي كرّس سلطة الفرد، وسلطة أفكاره ولغته وتعابيره. وفي قلب هذا الخطاب، سرديَّةٌ شعبيَّة وجدَتْ مساحة تتفجّر فيها، فباتت قادرة على أن تَكسر احتكار الخطاب الطَّائفيِّ، وتَقْلب العروش على أصحابها، وتُفقِد السُّلطةَ شرعيَّتها. لم تتجسّد هذه السَّرديّة في الخطاب فقط، بل أيضًا في مَشهديّات بصريّة وثّقَتها صورٌ فوتوغرافيَّة وفيديوهات، تَحوَّل بعضها إلى “أيقونة” للثَّورات.
مع تَفجُّر سرديَّة الثَّورة في الفضاء العامّ، عمدَ جزء من الطَّبقة الحاكمة في لبنان وداعِميها -كما فعلَت قبْلها أنظمةٌ في العديد من الدول العربية-، إلى تأطير هذه السَّرديَّة وإعادة رسْمِها لمصلحتها. فنرى كيف حاولت أن تُقدِّم خطابًا ينسجم جزئيًّا مع مَطالب الشَّارع، ولكنّها في الوقت نفسه، حذّرت من الفراغ، ومن مَخاطر التَّغيير الَّذي ينطلق من القاعدة. فنَصّبَت نفسها مجدّدًا على اعتبار أنّها “الحامية” الوحيدة للوطن ولِأمنه واستقراره، وأنَّ غياب شخصيَّاتها يعني المجهول.
ما لا تُدركه الطَّبقة الحاكمة، هو أنّها هي الَّتي ساهمَت بنفسها في إنتاج هذه السَّرديَّة الثَّوريّة. فأيُّ لُغةٍ متسلّطة -سياسيَّةً كانت أمْ دينيّةً أم اجتماعيَّة أم ثقافيّة-، تَقُمْ بتدمير نفسها بنفسها، من خلال توليد لغة ثائرة عليها! فنرى كيف أنّ معظم الشِّعارات المستخدَمة من قِبل الشَّعب في الشَّارع، تُشبِه بالشَّكل -إلى حدٍّ ما- تعابيرَ استخدمَتها الطَّبقة الحاكمة بنفسها سنواتٍ مضَت، بل إنّها تُوازيها في القوَّة والتَّأثير.
أمّا الخطأ، فيَكمن في الاستخفاف بالمعنى في قلب هاتَيْن “السَّرديّة والمَشهديّة”، وفي الاستهانة بقدرتهما على البقاء في الذَّاكرة الوطنيّة، وتجديد كتابة التَّاريخ، وتحديد المسار في المستقبل، نحو تحقيق المزيد من الرَّغبات المشترَكة بين اللُّبنانيِّين/ات في الشَّارع.
اللُّغة الثَّائرة الَّتي نَسمعها في السَّاحات اليوم -حتى ولو لم تَدُمْ-، سوف تبقى من أكثر لحظات تاريخ لبنان تأثيرًا، لأنّها ببساطة حرّضتنا جميعًا على التّفكير، والنَّقد لذاتنا وحقيقتنا وهُوِيَّتنا.
نعم، إنّها ثورةٌ على الذَّات. ولهذه الثَّورة لُغَتُها!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.