الرئيسية > رأي عام > مقالات > جمال العروبة وقوَّتها في تنوُّعها
عدنان المقراني (تونس)

جمال العروبة وقوَّتها في تنوُّعها

الإثنين ٢٠١٨/٧/٢٣م   |   ١٤٣٩/١١/١١ هـ

العروبة رابطة ثقافيّة متجذّرة في الأرض والذاكرة، وهي فَضاءٌ حيٌّ للتواصل وتشابُك المصالح ووَحدة المصير، رَغْم كلِّ المآسي والتناقضات التي نعيشها. شخصيًّا لا أحتاج إلى دليل؛ يكفي أن أزور عاصمة عربية، حتى يَطفو من أعماقي شعور بالانتماء والأُلفة. لعلَّ من عاش الغُربة فترةً طويلة، يُصبح حسّاسًا لهذه المشاعر الدفينة التي لا تَمَّحي.

مع كلِّ ذلك، فإنّ العالم العربي أبعدُ مِن أن يكون وَحْدة متجانسة. فهو مِن أغنى مناطق العالم تنوُّعًا، من حيث اللهجات واللغات والثقافات والأديان والمذاهب، حتى داخل البلد الواحد. المشكلة تَكمن في بعض الأيديولوجيّات، التي بُنيت على فَرْضيّة التجانس الثقافي أو اللغوي أو الديني، ضاربةً بقيمة التنوُّع عُرْض الحائط؛ فيُنظر إلى كلِّ مظاهر التنوُّع، باعتبارها تهديدًا للوَحدة أو مَدخلًا إلى العِمالة. وهكذا، تُصبح التعدُّديّة قضية أمنيّة تتولَّى مهمَّةَ خنقِها الأجهزةُ البوليسية، عِوَض أن تتولَّى رعايتَها وتكريمها المؤسَّساتُ الثقافية. إنّ تحوُّل منبع الثراء إلى سبب موهوم ومُفتعَل للمشاكل، لَهُو مُنتهى الإفلاس والإفقار الإنساني.

حسبما يقول صديقٌ حكيم إنّ “الحصان العربي وحدَه دمُه عربي”. فالبشر خليط من أعراق مختلفة، سواءٌ على المستوى الجِينيِّ أو على المستوى الثقافي، خاصة في المنطقة العربية التي عبَرَتها حضارات وإمبراطوريّات. فهي سُرّة العالم القديم، ومَنبِت الأديان الإبراهيمية، وهي اليوم بُحَيرة نفط عظيمة، تتصارع حولها قوًى عظمى وصغرى. كلُّ الظروف تَوافَرت لكي تكون هذه المنطقة مُفترَق طُرق، وملتقى شعوب وثقافات، مع قدرة عجيبة على الجمع والدَّمج بين العناصر المتباينة. لعلَّ هذه هي عبقريّة المنطقة، رَغْم ما تُعانيه اليوم مِن تراجُع في هذه القدرة.

العروبة جامعة للأديان، من اليهوديّة بمختلف فِرَقها، حتى تلك التي لم تَبقَ إلّا في العالم العربي، كالقرائين في مصر (إلى عهد قريب)، والسامرة في نابلس، إلى المسيحية بمختلف كنائسها ولغاتها الليتورجيّة والحيَّة، بالإضافة إلى الصابئة المندائيّة جنوبَي العراق والإيزيديّة شماله… ثم إنّ العَولمة اليوم، فتحَت الباب لدخول أديان ومذاهب جديدة على المنطقة. والعروبة، من ناحية ثانية، حاضنة للقوميّات كالكرديّة والأمازيغية والشركسية والتركمانية والأرمنية وغيرها. لا يمكن للعروبة أن تُلغي غيرها بِتَعِلَّة الوَحدة، ما دامت قادرة على أن تكون إطارًا للتعايش والتبادل والتعاون.

لقد أحدَث التداخل بين مفهومَي “الإسلام” و”العروبة”، الْتِباسًا عند بعض المسيحيِّين، الذين يَنفِرون من العروبة خوفًا من الأسْلَمة وهيمنة الأغلبيّة المسلمة. والالتباس نفسُه نجده في أذهان بعض المسلمين، الذين لا يفرِّقون بين المفهومَين. فكأنَّ “الإسلام العربي” هو النموذج الوحيد الممكن للانتماء إلى الإسلام، أو كأنّ المسيحية وافدة من الغرب، ولا تمدّ جذورها في الشرق.

لا شك أن هناك تجاوزات حدثَت وتحدُث بِاسم العروبة الأُحاديّة؛ ما يتناقض وقيمة العروبة التعدُّديّة، التي تكتسب جمالها وقوّتها من تنوُّعها الداخلي، من دون دَعاوَى هيمنة قوميّة أو دينية. الإسلام يمثّل بالفعل ديانة معظم العرب، وأيضًا توجد علاقة خاصة بين الإسلام والعروبة، لِكون النبيِّ وصحابته كانوا عَرَبًا، والقرآن الكريم نزل بِلِسانٍ عربيٍّ مُبِين، ومعرفة اللغة العربية ضروريّة لمعرفة الإسلام وتراثه. ثم إنّ أثرَ الإسلام في مُفردات اللغة وتعبيراتها، امتدَّ حتى إلى العرب المسيحيِّين واليهود، ولكن العروبة سابقة إلى الإسلام، وباقية معه في حدود تذهب أبعدَ من حدوده العَقَدِيّة.

العرب المسلمون يشكِّلون أقلِّيّة بين المسلمين في العالم، تُراوح بين 15 و20%. فالمسلمون في إندونيسيا أكثرُ عدَدًا من العرب جميعًا، والمسلمون الناطقون بِالأردو في الهند وباكستان، أكبرُ عدَدًا من المسلمين الناطقين بالعربية. واستطاعت هذه الشعوب غير العربية، أن تطوِّر ثقافاتها الإسلامية بطريقة مُبدِعة وجميلة تَلِيق بديانة عالميّة، على الرَّغم من محاولات بعض الاتجاهات السَّلَفِيّة اليوم، أن تَخترق تلك الثقافات، وتَفرض عليها نمطًا “عربيًّا بدويًّا” من التديّن، يَحتقر جهود أجيال من العلماء المحلِّيِّين، في التبليغ الخلّاق لفحوى الدين وروحانيّته.

الإسلام نفسُه كان أحد العوامل الأساسية في “تفجير” مفهوم العروبة بمعناه العِرقيّ، عندما انتشر العرب في مختلف أنحاء العالم، وأصبحت بعض المدن العربية عواصم عالمية، تستقطب الناس من مختلف أنحاء الأرض، وأصبح كلُّ من يتكلّم العربية عربيًّا. يَذكر أمين معلوف في كتابه “الهُوِيّات القاتلة”، سُرور بعض المسلمين في الصين بالحديث معه بالعربية، فأصبحت العربية همزة وصل، حتى بَيْن المسلم غير العربي والعربي غير المسلم.

عندما أرى شبابًا عَرَبًا من المشرق والمغرب، بمختلف مذاهبهم وأديانهم، يعملون معًا في مشاريع ثقافية واجتماعية وإنسانية، أشعُر فِعلًا بالعروبة كقِيمة جامعة وعابرة للاختلافات، من دون انغلاق يَفصلها عن الثقافات الأخرى. هذا هو أملُنا الحقيقي في ترميم العروبة وشِفاء إنسانها، لتكُون هُوِيّة ثقافية متصالحة مع ذاتها، مُعترفة بتنوُّعها، مُنفتحة على العالم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.