الرئيسية > رأي عام > مقالات > حاجة الأديان إلى ثقافة الاعتذار
رشيد سعدي (المغرب)

حاجة الأديان إلى ثقافة الاعتذار

الثلاثاء ٢٠١٩/٧/٠٩م   |   ١٤٤٠/١١/٧ هـ

اِستمعتُ منذ أشهُر بمدينة وجْدة بالمغرب، لمحاضرة مفكِّر إسلامي، شكَّلَت بالنسبة إليَّ حدَثًا فكريًّا عميقًا، وبيانًا حقيقيًّا، حول ما يمْكن أن نسمِّيه ثقافة الاعتذار في الفكر الإسلامي. فأكَّد المُحاضر -بنبرة لا تخلو من الندم والحسرة-، أنَّ الكثير من المفكِّرين المعاصرين في التاريخ الحديث للإسلام، والذين تعرَّضوا للاضطهاد أو حتى للاغتيال، كانوا ضحيَّة “الجهل المقدَّس”، وأنَّ التاريخ أثبت -بعْد رحيلهم بسنوات- صواب أفكارهم.

عمومًا، يمكننا أن نقول إنَّ تاريخ الأديان، هو في جزء منه تاريخ أخطاء المتديِّنين/ات. أخطاءٌ كانت قاتلة أحيانًا، ارتكبوها تحت سطوة اليقين وجنون الإيمان، أو حتى تحت سطوة الشهوات الأرضية. فكان ثَمَّة مِساحاتٌ سُودٌ ودَمويّة، و”مَحاكم تفتيش”، في تاريخ كثير من الأديان. وأعتقد أنه يمكننا الآن -ضِمْن التاريخ المُخجِل للبشرية-، كتابة الجانب الذي صنعهُ بعض المتدينين، تاريخ القتل والسَّبي، الإبادات والمَحارق، وغيرها من البشاعات التي كان ضحيَّتها الملايين من البشر.

إنَّ جهْلَنا أحيانًا، وكذا مكْر التاريخ، هُما اللَّذان يفسِّران أننا كثيرًا ما نعي متأخِّرين/ات، أن العقائد والأفكار التي أزهقْنا من أجلها أرواحًا بريئة، لم تكُن إلَّا أوهامًا. فيصبح الإنسان دومًا متأخِّرًا عن صيرورة التاريخ. ولا شك أنه من حقِّنا، أن نَحلم باليوم الذي يتزامن فيه وعيُنا الديني مع الحدث التاريخي، أيْ عندما يصبح التديُّن خاضعًا لمنطق قدسيّة الحياة البشرية، وأوْلَويّة الإنسان على مفهوم الحقيقة الدينية. لهذا، فإن علاقتنا بالتاريخ يَجدر أن تكُون مَصدر درْس دائم لنا، كي نستطيع أن نَربط مفهوم الإنسان المتحضِّر بمفهوم التديُّن المتنوِّر. ويجب أن نبدأ بنَقْد غرورنا التاريخي، وتَجاوُز النظرة التبجيلية إلى الماضي، ونعترف بأن أدياننا تحوَّلت مرّاتٍ إلى منظومات أرضيّة، تُبرِّر العنف بإرادة السماء.

يَنْبني فِعل الاعتذار على التشبُّع بقيمَتَي التواضع والسُّلوك الحضاري، وأيضًا على القاعدة الأخلاقية الذهبية “عامِل الآخرين كما تُحبُّ أن يعاملوك”. فلا أحد منّا يَقْبل أن تُهدر حياته وإنسانيته، بِاسْم أيِّ دين كان. ثم إنّ الاعتذار عن أخطاء الماضي وجرائمه، جزء من مسؤوليتنا الأخلاقية كمؤمنين/ات، ولو لم نكُن نحن مَن اقترفها. بل إني أعتقد أن التحقُّق الأخلاقي للدين، هو في حقيقة الأمر تلك الصيرورة، التي تجعل الإيمان يتحرر ويتصالح مع قدسيّة الإنسان. فنَعِي ونفهم أن الدين جاء لخدمة الإنسان، وليس أنّ الإنسان جاء لخدمة الدين. بهذا المعنى، فإني أعتقد أن البناء الصحيح للتدين القويم، والمصالحة مع الماضي والتاريخ، يَحصُلانِ من خلال فعل الاعتذار، كفِعلٍ تأسيسيٍّ وتصحيحيّ، يُشبه إلى حدٍّ بعيد عمليّةً تطهيرية.

بالنسبة إلى التاريخ الإسلامي، فبرأيي أنه أيضًا لم يكُن دومًا مطابقًا لمبادئ ديننا. فنحن جزء من التاريخ الديني للاضطهاد. وإنه من المؤلم، أن بعض المؤسسات الدينية الإسلامية، لم تمتلك الشجاعة لتعتذر عن تاريخ العبودية واستعباد البشر، الذي أصبح جزءًا من تاريخ الفقه الإسلامي، الذي شرَّع العبودية كوضْع إنسانيٍّ شِبه دائم. وقد تَواطَأَت أحيانًا -بصمْتها- مع من قاموا بإخصاء الملايين من العبيد، وتحويلهم إلى مُسوخ. أيضًا لم تمتلك هذه المؤسسات الشجاعة الأخلاقية، لتُقدِّم اعتذارًا عن استعمال حدِّ الرِّدَّة، لتبرير اضطهاد الخصوم والمفكِّرين/ات، ومنْح الشرعية الدينية للاضطهاد، بل حتى لاغتيال كثير من المفكِّرين/ات خلال القرن الماضي.

إنَّ الأنْكَى ليس فقط هو العجز عن الدخول في ثقافة الاعتذار، بل الإصرار على ارتكاب نفس الخطأ، والقُبوع في عمى التاريخ. وإلَّا فكيف نفهم أنّ مِن علماء المسلمين، مَن لا يزال يعتقد أنّ مِن حقِّ المسلمين، أن يجعلوا من “الكفّار” غنائم في حروبهم المقدَّسة المتخيَّلة. فلا يزعجهم أن يتحدثوا بالبشر كحيوانات تُساق إلى المهانة، كما لو لم يكُن الله خالقًا لها.

لذا، يجب أن نفكر في إمكانية مشروع إسلامي، للاعتذار عن كلِّ الانحرافات المرتبطة بالتطبيقات التاريخية للإسلام، وبالممارسات التديُّنيّة. ولا يتعلق الأمر بعملية مراجَعة للوقائع التاريخية، بل بالاعتراف بِلَاأخلاقيّة الكثير من الممارسات، التي حوَّلها العقل السَّلَفي إلى بداهات دينية وتاريخية. ولعلَّ ذلك، ما يفسِّر تراجُع ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ، في حِقَبٍ من التاريخ الإسلامي.

إنَّ خيريّة الأمَّة، مرتبطة بالتأسيس لثقافة الاعتذار والمراجَعة الأخلاقيّة للتاريخ، كي لا تتكرَّر أخطاؤنا، وكي نجعل تلك الأفعال اللَّاإنسانية، أفعالًا غير ممْكنة “إسلاميًّا” مستقبلًا. ومِن هنا، نعي الدور المِحوري للمؤسسات الدينية، في التأسيس المجتمعي لثقافة الاعتذار، كطريق لبناء أنماط تَديُّن جديدة، تتصالح وتتآلف فيها الرُّوح مع العقل والقلب. والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.