الرئيسية > رأي عام > مقالات > حبنا للرسول طريق إلى الحب والاعتراف
رشيد سعدي (المغرب)

حبنا للرسول طريق إلى الحب والاعتراف

الثلاثاء ٢٠٢٠/١١/١٠م   |   ١٤٤٢/٣/٢٥ هـ

شكلت الأحداث الأخيرة بفرنسا تحوُّلًا نوعيًّا في تاريخ العلاقة بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، ليس فقط بالمعنى الجغرافي، بل بمعنى الأمة أو الجماعة الدينية الكبرى. فكِدنا نقترب من حدود نظرية صدام حضارات، تتحدث بالهوية الإسلامية بوصفها خطَّ صدامٍ دائمًا بالغرب، بسبب الاختلاف الجذري حول قيمتَي الحداثة والحرية وغيرهما. الكثير من الخطابات من جانب المسلمين وصَفَت ما حدث بأنه حرب عنصرية على الأمة الإسلامية، وصراع بينها وبين نظام علماني متفسخ، أو أنه حرب صليبية جديدة تخفي حقيقتها وراء قيمة حرية التعبير والتفكير.

ما أثار انتباهي أثناء انخراطي في نقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، هو المنسوب الكبير من العنف الرمزي، واللعنات اللاهوتية والكراهية التي تلبس لبوسًا دينيًّا، سواء تجاه فرنسا باعتبارها منظومة قيمية (مثل نعتها بالكافرة أو الصليبية أو العلمانية)، أو حتى تجاه المسلمين الذين كانت لهم مواقف مخالفة للأغلبية الاحتجاجية المسلمة (مثل نعتهم بالخيانة أو العمالة). بالنسبة إليَّ يشكل ذلك تناقضًا أخلاقيًّا؛ إذ كيف تتحول حركة احتجاجية -بِاسم الدفاع عن “قدوتنا الأخلاقية” أو بِاسم حبِّنا للرسول- إلى أشكال العنف تلك؟ وكيف يمكن لحب الرسول أن يغذي مشاعر الكراهية؟

أعتقد شخصيًّا أننا -نحن المسلمين- ضيَّعنا فرصة هذا “الصدام الحضاري”، من أجل بناء منهجية جديدة لتدبير الاختلاف، وذلك من خلال تحويل قيمة الحب أو الغَيرة (تجاه ديننا أو رسولنا)، إلى قيمة أخلاقية مبنية على احترام الآخر حتى في تعبيراته القصوى. فإنْ كان سبب الاحتجاجات هو قناعة المسلمين، بأن الرسوم الساخرة التي تربط نبي الإسلام بالإرهاب تُشوِّه حقيقة من كان “رحمة للعالمين”، فيجب علينا بناء مواقفنا الرافضة لهذه الرسوم والاقتداء فيها، بالمثال الأعلى المجسِّد للرحمة، ولقوة الكلمة القادرة على تغيير الإنسان دونما اللجوء إلى السلطة المادية (المقاطَعة الاقتصادية ونحوها)، أو إلى سلطة الإكراه.

نصل هنا إلى هذه المفارقة الأخلاقية، وهي أنَّ حبِّي للرسول يجب أن يجعلني أحترم حق الآخرين في التعبير عن رأيهم ولو كان ساخرًا، لأن ما قد يحركهم هو مبدأ الحقيقة أو ما يعتقدون أنه حقيقة. بمعنى آخر، فإن اعترافي بحق الآخر في نقد قناعاتي -شريطة أن لا يكون النقد تحريضًا على العنف أو التمييز-، لا يعني اعترافًا بِصَواب موقفه، بل بقيمته الأخلاقية وأسبقية قيمة الإنسان المفكر بوصفها مبدأً أخلاقيًّا. أعتقد أن تلك هي النصرة الحقيقية والوحيدة الممكنة أخلاقيًّا للرسول. وهكذا يمكن أن تتحول “أخلاق الرحمة” إلى “أخلاق النقاش”، القادرة على استضافة الآخر ولو كان “مجدِّفًا”. وانطلاقًا من فكرة الصبر على الإهانة، يتحول الرسول إلى مبدأ أخلاقي يسمح على الأقل بالتسامح، أي السماح للآخر بالتعبير عن رأيه وإن كان هذا الرأي مَصدر إحساس بالإهانة. ويُطرح هنا السؤال الأخلاقي: أيُّما أسوَأ، السخرية من الرسول، أم قتلُ الأستاذ الفرنسي بطريقة بشعة؟

أثار انتباهي أن الكثير من المؤسسات الدينية استنكرت عملية قتل المدرس، لكنها ألزمَت و”شرطَتْ” على إدانة الرسوم الكاريكاتورية؛ ما قد يشكل نوعًا من الابتزاز الأخلاقي المنافي للقاعدة الأخلاقية العامة والمطلقة، إذ لا يجوز مسُّ حياة شخص يعبِّر عن رأيه -مهما كان هذا الرأي جارحًا-. ويبقى من حقنا نحن المسلمين أن نفكك خطاب السخرية عبر خطاب مضاد، ونبيِّن تهافته المعرفي أو التاريخي. يا للأسف، فإن الكثير من الأشخاص قرروا أن المدرس يستحق ما حدث له، وأنَّ قتله قربة إلى الله؛ ما يشكل فضيحة لاهوتية، لأنه يحوِّل حب الرسول إلى مبدأ قاتل. لذا، فإني أعتقد أنَّ التسْيِيس أو التدويل لمشكلة الرسوم المسيئة للنبي، كان انحرافًا كبيرًا، استغلَّته بعض الدول لبناء شرعيات دينية وسياسية، مستعمِلةً قوة الديماغوجيا وتجييش الجماهير، مع أن السخرية من الرموز الدينية تستهدف جميع الأديان، بل إن الأديان نفسها قد تنبني على أفكار وصور قد يعتبرها مؤمنو الأديان الأخرى ساخرة.

إن التوتر بين حرية التعبير والنقد من جهة، وحقِّي في التعبير عن إحساسي بالإهانة ورفضي لِهاتِه الحرية، معضلةٌ كبيرة قد لا يكون حلُّها قانونيًّا بل فكريًّا، من خلال ثورة أخلاقية ينبغي للجماعات الدينية والثقافية أن تنخرط فيها. وقد لا يكون التجديف أو السخرية الطريق الأمثل للتعبير عن فهمنا لعقائد الأخرين، لكنهما جزء من العالم الحديث. لذا، لا بد أن نغيِّر طريقة تفكيرنا بطريقة كوبرنيكية (تقول بمركزية الشمس ودوران الأرض حولها لا العكس)، بحيث تصبح أخلاق الغيرية هي المركز وليس حقائقنا الدينية.

لمّا كان الحب هو الطريق الوحيد إلى الحب، فإن الطريقة الوحيدة إلى التعبير عن حبنا للرسول، هي -برأيي- احترام حرية التفكير والنقد، لأن منتهى الأخلاق هو أن نحب من يسيء إلينا. وكما نقَل مولانا جلال الدين الرومي عن معلِّمه شمس التبريزي: “لا شيء أسهل من الكراهية، أما الحب فهو يحتاج نفسًا عظيمة”!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.