الرئيسية > رأي عام > مقالات > حماية مقدساتنا والاعتراف بحق انتقادها
رشيد سعدي (المغرب)

حماية مقدساتنا والاعتراف بحق انتقادها

الخميس ٢٠٢٠/٦/١١م   |   ١٤٤١/١٠/٢٠ هـ

شهدَت مواقع التواصل الاجتماعي في المنطقة المَغاربية أخيرًا، ثلاث صدمات للوعي الديني الجمعي، أدت إلى عودة قوية للنقاش المجتمعي، حول حرية التفكير والتعبير وعلاقتها بالمقدسات الدينية، ووظيفة الدولة داخل مجتمعات تَعرف تحولات مستمرة، على مستوى العقائد الدينية وحرية نقدها.

نشَر شاب مغربي صفحة على “الفايسبوك” بعنوان: “الغفران”، مع صورة لكنيسة ونَصٍّ من الإنجيل. فتعرَّض لحملة تكفير وتخوين، وطالَب الكثير من رواد الموقع بتدخل الدولة، لاعتقاله وتطبيق القانون الجنائي المغربي عليه بتهمة “زعزعة عقائد المسلمين”. بعد بضعة أيام، نشرَت مُدرِّسة للفلسفة تدوينة حول فارق السِّن بين الرسول (ص) وزوجته خديجة. فتَبع ذلك حملة تكفير واسعة، اتَّهمت المدوِّنة بالتطاول على النبي والإساءة لزوجاته. أيضًا تعرَّضَت للتهديد بالقتل، وقُدِّمَت شِكايات ضدها، وطُولِب بمتابعتها قانونيًّا بتهمة ازدراء الإسلام والرسول ومسِّ الثوابت والمقدسات. في الجزائر نشرَت مُدوِّنة شابة نصًّا ساخرًا يحاكي إحدى سور القرآن، يبدأ بعبارة “كوفيد، والفيروس المُبيد”. فانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي نداءات بتدخل القضاء، لاعتقالها بتهمة الإساءة للإسلام، ومحاولة تحريف القرآن، واستفزاز مشاعر المسلمين.

في كل هذه الحالات، لوحظ غياب أي نقاش عمومي ديني أو فلسفي حول مضامين التدوينات، أو حول إمكانية كون السخرية شكلًا من أشكال حرية النقد والتعبير. لكن المثير للقلق هو ظاهرة الاستقواء بالدولة، والمطالَبة بتدخل أجهزتها الأمنية والقضائية، والتركيز على التجريم القانوني، بدل توسيع النقاش العام في أُفق بناء تعاقُد اجتماعي، يحدد العلاقة بين العنف الشرعي للدولة والاختلافات الفكرية داخل المجتمع.

المثير للسخرية أنه قبل أسابيع من هذه الأحداث في المغرب، امتلأتْ صفحات التواصل الاجتماعي بآلاف التدوينات، الرافضة لقانون كان من المنتظَر إقراره، سُمِّي سخريَّةً بقانون “تكميم الأفواه”، لاحتوائه فصولًا تشكِّل تضييقًا على حرية التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي، بذريعة الحفاظ على الأمن العام. لكنَّ الكثيرين/ات من مُعارضي هذا القانون، أبدَوا استعدادهم للتضحية بحرية مخالفيهم في التعبير، من أجل حماية ما يعتبرونه مقدساتهم الدينية. يمكن اعتبار هذا الأمر علامة على حالة تغييب فكري جماعي؛ إذ إنَّ المجتمعات العاجزة عن الدفاع عن مبدأ الحرية كاملًا غيْرَ مُجزَّأٍ، يجب أن تكون مستعدة لمصادرة كل حرياتها. فتصبح بذلك مجتمعاتٍ آكلةً لحرياتها، وتمنح تَغوُّل الدولة الآكلة للحريات صفةً شرعيَّة. يذكِّرني هذا الأمر بكتاب “لابويسيه”: “مقالة في العبودية الطَّوعية”، وبفكرة أن الطغاة يستمدون سلطتهم من قبول المجتمع أو الشعب لِلتخلِّي عن حريته، أو تشريع حرمان المواطنين إيَّاها؛ ما يصنع حالة الاستعباد الذاتي.

لا شك أن السلوك الأخلاقي الأمثل، هو أن نمتنع عن كل سخرية يمكن أن تكون جارحة أو مؤلمة لغيرنا، مع أنه من الصعب أحيانًا رسم الحدود بين السخرية والنقد. أيضًا يجب ألَّا ننسى الدرس اللاهوتي المرتبط بوضع الأديان في المجتمعات الحديثة، حيث إن الاعتراف بالحرية الفكرية، يفرض على المؤمن -مهْما كانت عقيدته- الصبر على الإهانة، التي قد يشكِّلها الفعل النقدي أو السخرية، التي تظلُّ موقفًا فكريًّا شهدَته وتشهده كل المجتمعات عبر التاريخ، خصوصًا في المجتمعات الحديثة، حيث تُحْدث ثورةُ وسائل الاتصال انفجارًا وتشكيكًا غيْرَ مسبوقَين، في المرجعيات الدينية.

يُطرح هنا سؤال حول وظيفة الدولة، وضرورة حيادها تجاه جميع المعتقدات، إذ يُفترض فيها ألَّا تمتلك نظرية عن الحقيقة الدينية؛ ما يسمح لها بأن تسمو فوق مجال الاختلافات العَقَدِيَّة والفكرية، حيث لا تنبني إلا على العقل السياسي التعاقدي. وإنْ فقدت الدولة هذا الحياد، فقد تصبح جزءًا من منظومة التطرف والعنف الديني، كما هو الأمر عليه في مجموعة من الدول ذات الأغلبية المسلمة. فمن الضروري إذن، تفكيك نظرية الحق أو التفويض الإلهي، وتعويضها بمعقولية الممارسة السياسية، الضامنة للحقِّ في الاختلاف والتعدد الفكري. بهذا المعنى، فإن الوظيفة الأساسية للدولة ليست حماية مقدسات الأغلبية، بل حماية الأقلية ولو أفرادًا من هيمنة الأغلبية وشطَطِها. لذا، فإن الاستقواء بالدولة ضد مواطنين/ات مسالمين/ات بسبب أفكارهم، يُنتج دولة مشوَّهة هجينة بين الدولة الدينية والدولة الحديثة، ومجتمَعًا مشوَّها أقرب إلى النظام الشمولي، بلا تماسُك سياسي ولا هُويَّة جامعة.

لذا، نحتاج إلى ثورة لاهوتية، حيث يصبح الإيمان بالله ضمانة أخلاقية لاحترام حرية الآخرين، ووعْيًا بأن الدولة ليست حارسة للعقائد، وأن الله لا يحتاج إلى دولة كي تُطاع تعاليمه، وأن حماية معتقداتنا لا تحتاج إلى عنف الدولة، بل إلى التزامنا الأخلاقي لقدسية الحرية فقط، وإلى احترام من لا يشاركوننا في عقائدنا.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: “لو أراد الله أن نكون متشابهين، لخلقَنا متشابهين. لذلك، فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين، يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله”. والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.