الرئيسية > رأي عام > مقالات > حواراتنا الفكرية بين التقريب والإقصاء
مصطفى زهران (مصر)

حواراتنا الفكرية بين التقريب والإقصاء

الثلاثاء ٢٠٢٠/٧/٢١م   |   ١٤٤١/١١/٣١ هـ

إن المتأمل للفضاء الفكري للمشهد العربي في السنوات الأخيرة، يجد جملةً من الإشكالات البَيْنية والبُنْيوية، أخذت طريقها نحو التكشف مع أحداث الربيع العربي عام 2011، في حين مثَّلَت تداعياتُه على المنطقة بجُملتها منذ ذلك التاريخ، دافعًا آخَر إلى تَشظِّيها. وتقف على رأس هذه الإشكالات انتفاء فكرة قبول الآخر، وعدم التعددية القائمة على اختلاف الآراء والأفكار؛ وذلك نتيجة الانقسام المجتمعي الكبير الناجم عن التحولات السياسية، التي شهدتها دول إقليم الشرق الأوسط.

يمكننا تلمُّس ذلك في بعض القضايا، التي برزَت أخيرًا على أكثر من صعيد سياسي ومجتمعي وديني أيضًا. ومن بينها تحوُّل “آيا صوفيا” من متحف إلى مسجد، وما نجم عنه من اشتباك بلغ مداه، من “إسطنبول” إلى القاهرة، ومن “بيروت” إلى “الرباط”، مرورًا بـ”تونس” و”الجزائر. وذلك بالتوازي مع السِّجال القائم مع “عبد الله رشدي” (أحد الدعاة المحسوبين على الأزهر الشريف)، وتصريحاته التي أثارت حفيظة ناشطات في التيار النِّسْوي المُعارض للأطروحات الدينية التقليدية -سواء من المنظور المؤسَّسي أو الجماعاتي-، والتي تُقيِّد من حرية المرأة المعاصرة؛ ثم انتهاءً بقضية الناشطة المصرية “سارة حجازي”، التي انتحرت في المهجر بـ “كندا”، والتي اشتُهرت بِـ”مِثليَّتها”، حيث أثارت جدلًا كبيرًا قُبَيل وفاتها وبعده.

اللافت أنَّ حدث “آيا صوفيا”، مع حصوله في إسطنبول -العاصمة التاريخية والثقافية لتركيا القديمة-، فإنَّ أصداءه وصلت عواصم المدن العربية كافة. ولكونه حدثًا غير عادي، فقد مثَّلَت المحطةُ الأخيرة في سلسلة تحوُّلات “آيا صوفيا”، مَثار نقاش كبير بين أوساط المسلمين –البَينية- من جهة، وبين المسيحيين والمسلمين من جهة أخرى، بعد إقرار الدولة التركية بهذا التحول. وفي ذات الوقت، كان هذا السِّجال الدائر حتى اللحظة، مخالفًا -جملة وتفصيلًا- ما يدور داخل أرْوِقة المشهد التركي، لوجود ما يشبه إجماعًا كاملًا برأيي على هذه الخطوة، والتي نظر إليها بعضهم على اعتبار أنها تَخدم أهدافًا سياسية للنظام السياسي القائم هناك.

على هامش ذلك، انقسم الشارع النُّخبوي الثقافي العربي، وتعالت الاتهامات المتبادلة بين الأفرقاء. ففريق رأى في الآخر أنه عميل لتركيا والخليفة العثماني “أردوغان” -حسب وصفه-؛ وفريقٌ بارَك عملية تحويل الأماكن المقدَّسة لمصلحة عقيدة بعينها على حساب أخرى؛ وفريق على الضفة الأخرى رفع شعار عودة الحق لأصحابه، وتأكيد الهوية الإسلامية لـ”تركيا الجديدة”، بعد أن سُلبت من قِبل “مصطفى كمال أتاتورك” (صاحب قرار تحويل المسجد إلى متحف). فتَبادل الأطراف الاتهامات، واعتمدوا أسلوب الإقصاء الذي وصل إلى التخوين والعَمالة، وكأنها أشبه بمعركة عسكرية بين العثمانيين والعرب، أو بين الإسلام والمسيحية.

تعيش القاهرة سِجالًا “مجتمعيًّا‑دينيًّا” من نوع خاص، حيث رأت عناصر نسوية في تصريحات الداعية الأزهري، التي تضمَّنَت دعوةً إلى تحريم عمل المرأة، وأمورًا أخرى تتعلق بالاحتشام أو الحجاب وما شابه، نوعًا من العودة بالمرأة إلى زمن “الرِّقِّ النِّسوي”، مع أن الشيخ الأزهري أوضح في تصريحات له أن ما يتناقله بعضهم من كلامه، ورَد في مقطع مُصوَّر قديم اقتُطع من سياقه. في الواقع، لا تَعنينا هذه القضايا المُثارة للنقاش، لكونها ليست وليدة السياق الحالي. فهي قديمة قِدم الجدل الذي يتصاعد بين الفَينة والأخرى، بين جمهور رجال الدين والقوى المناوئة لهم، من العلمانيين والليبراليين واليساريين وغيرهم.

إنَّ الإشكال الحقيقي هو اتِّخاذ النقاش منحًى مغايرًا، إلى حدٍّ دعا فيه إعلاميٌّ مصري كبير، إلى ضرورة القبض على الشيخ بتهم تتعلق بالإرهاب الفكري، إذ لم يعد هناك قبول للخلاف وتعدُّد الآراء، الذي كان يجري قديمًا في أرْوِقة المناظرات الفكرية، التي كانت تَجمع الكثيرَ من الرموز الفكرية المتباينة أطروحاتُها. فعلى سبيل المثال لا الحصر: نقابة الأطباء المصريين في الثمانينيات والتسعينيات، التي كانت تُعقد داخل قاعاتها المناقشات الفكرية الكبيرة، وتَضمُّ قامات فكرية مختلفة، مثل: “عاطف العراقي”، و”فؤاد زكريا”، و”عبد الوهاب المسيري”، والشيخ “محمد الغزالي”، و”نصر حامد أبو زيد”، وغيرهم. فكان كل طرف منهم –مع اختلافه الجذري- قادرًا على استيعاب الآخر. وهو ما انعكس بقوة على الشارع المصري آنذاك.

بعد ذلك، تأتي قضية الناشطة الراحلة سارة حجازي، لتُضيف إشكالًا آخر إلى جوار ما عرضناه سابقًا، من حجم التحول الذي طرأ على الشارع النُّخبوي العربي، في تنصيب محاكمات ما بعد الموت وتحديد مصائر العباد، من خلال الانقسام بين رؤيتَين: إحداهما اعتبرتها كافرة مرتدة ولا يجوز الترحُّم عليها، والأخرى أوصلَتها إلى عَنان السماء ووضعَتها مع الصِّدِّيقين والنبيِّين والشهداء.

خلاصة القول أن متطلبات المواطنة الحاضنة للتنوع واللحظة الراهنة يفرضان علينا ضرورة انصات كل طرف للآخر، انطلاقًا من الإيمان بالتعددية والتنوع بعيدًا عن خطابات التخوين والإقصاء.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.