الرئيسية > رأي عام > مقالات > حِكمة البطرِيَرك الراحل: محبّة الأوطان من الإيمان
فادي ضو (لبنان)

حِكمة البطرِيَرك الراحل: محبّة الأوطان من الإيمان

الخميس ٢٠١٩/٥/١٦م   |   ١٤٤٠/٩/١٢ هـ

غالبًا ما يُنظر إلى الإيمان، لِكَونه مرتبطًا بأمور ماورائيّة، تَفتح لنا آفاق العالَم الآخر، العالم السماوي والإلهي. وبناءً على ذلك، يُصبح معيار الإيمان مرتبطًا بشكل رئيسي بصحّة الاعتقاد، وبالتمييز بين الإيمان والكفر، وبين الهداية والضلال. أتساءل: مِن أين أتت شِبْه الهيمنة النظريّة على تعريف هذا الإيمان، وعلى حساب البُعد التطبيقي منه، والذي يتجلّى في الحياة اليوميّة وشؤون هذا العالم، وليس في العالم الآخر؟! فلطالما ارتبطَت الدعوة إلى الإيمان في القرآن الكريم، بشرط العمل الصالح: {وأَمَّا مَن آمَن وعَمِل صالحًا} [الكهف: 88]. وكم من تحذير في الإنجيل على لسان السيّد المسيح أو رُسله، مِن أنَّ حبَّ الله لا ينفصل عن حبِّ الإنسان الآخر، ومِن أنّ هذه المحبّة لا يجب أن تكون “بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحقِّ!” (1 يوحنا 3: 18).

أقِفُ أمام هذا التساؤل، انطلاقًا من مشهد وداع البطرِيَرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير (1920-2019)، في هذه الأيام في لبنان. ومِمَّا قيل فيه تعبيرًا عن التفاف جميع المواطنين حوله لحظة وفاته، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم: “عاش بطرِيَركًا للموارنة، ومات بطرِيَركًا للبنان!”. فما هذا المسار الذي جعل “أُبوّة” هذا البطريرك -وكلمة “بطريرك” تعني في أصلها اليوناني: “الأب القائد”-، تتّسع من دائرة كنيسته الخاصة، إلى دائرة الوطن، التي تَشمل مؤمنين من غير ديانته؟ بعضهم قد يرى أنّ التعمّق في الإيمان، يجب أن يقود في مسار معاكس، أي من الزمني نحو الروحي، وُصولًا ربّما إلى درجة التجرّد كلِّيًّا من شؤون الدنيا، لِلتكرّس لعبادة الله.

لستُ ضدّ هذا المسار التعبّدي الصوفي، الذي يجعل بعض الناس يُكرّسون جُلّ جهدهم وجهادهم لِعيشه؛ لكنّني لا أعتبره المسار العامّ للدين والإيمان. ها هو البطريرك صفير، يَشهد لنا في حياته وكتاباته، بأنّ محبّة الوطن وخدمته الصالحة، هُما مِن أبهى التعابير عن الإيمان الصادق. وكان قد أصدر رسالة راعَوِيَّة في سنة 2007، تحت عنوان “في محبة الوطن”، أكّد فيها ثَوابت ثلاثة، تكاد تكون مَحاور فكره الديني والوطني معًا، ألَا وهي: الحرية، والعيش معًا، والتجذّر بالأرض.

يُعبّر البطريرك صفير -بتعلّقه بالحريّة إلى حدّ التقديس-، عن الوجدان الماروني التاريخي، الذي يَعرف جيّدًا ثمن فقدان الحرِّيّة. فهو من سلالة بطاركة قنّوبين (الوادي المقدّس شمال لبنان)، حيث لم يُفرّق أسلافه البطاركة بين تمسّكهم بالإيمان وتمسُّكهم بالحرية، في زمن الاضطهادات. فالإيمان يمُوت بدون الحريّة، إذ يتحوّل إلى شعائر فارغة من قدرتها على تحويل الإنسان والمجتمع معًا، وارتقائهما نحو الخير المطلق. بدون الحرية يُصبح الدين بدون معنى، والإيمان بدون رسالة.

 يقول ثانيًا البطريرك الراحل: “عبثًا نُحبّ الوطن، إذا كنَّا لا نحب المواطنين الساكنين فيه… نقاسمهم حلو الحياة ومرّها، ونكتب معًا تاريخ الوطن الذي يحضننا”. فالعيش المشترك بالنسبة إليه، هو محبّة وشراكة ووحدة مصير بين المواطنين على اختلاف أديانهم. وكتابة التاريخ بالمعنى المسيحي، هي كتابة قصّة المسيرة البشريّة تحت نظر الله ورعايته. وكأنّه يقول هنا: لن تؤْمنوا حتى تُحبّوا أوطانكم عبْر شراكتكم مع أقرانكم!

ويقول ثالثًا: “أرض الوطن كالوطن، أمٌّ تجب محبّتها، فقيرةً كانت أمْ غنيّة. إنها الأرض المغذِّيَة التي تختزن التاريخ. وقد شهدَت وقائعه ورافقت أجياله، وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها، وضمّتهم في مساء العمر إلى صدرها”.

تُشكّل هذه الكلمات صدًى جميلًا لموقفٍ مُشابه، صدر قبل 77 عامًا سنة 1930، عن البطريرك الماروني الياس الحويّك (١٨٤٣-١٩٣١) . وهو “صانع” لبنان الكبير كما يُشهَد له، والذي أصدر آنذاك رسالة تحمل أيضًا العنوان ذاته: “محبّة الوطن”. يقول البطريرك الحويّك: “علينا أن نحبّ أبناء وطننا ونعيش معهم بسلام ووئام. علينا أن نحبّ الموتى والأحياء منهم. فقد أعطَونا حياتهم وجاهدوا من قبلنا في الدفاع عن الوطن، فماتوا في الوديان والحقول. وها إنّ قبورهم تذكّرنا بهم. فلنكرّم الأرض ونحبّ الأرض وندافع عن الأرض التي ضمّت رفاتهم… إنّ البشر يشعرون برابطة قويّة عندما يفتكرون بأنّ الأرض التي حملتهم وغذّتهم، وهم أحياء، ستضمّهم في حشاها بعد الممات، فتختلط رفاتهم مع بعضها”.

لقد كتب البطرِيَركانِ الكبيران عن “محبّة الوطن”. والمحبّة في المسيحيّة فضيلة إلهيّة، أي هي لا تقتصر على كَونها مَوقفًا أخلاقيًّا وحسْب، بل إنّها اختبار في صُلب المسيرة الإيمانية، وعلاقة المؤمن بالله. والدعوة هنا للمؤمنين عمومًا، وللموارنة خصوصًا لا إلى أن يُحبّوا أوطانهم ليجعلوها لهم، بل إلى أن يُحبّوا أوطانهم والمواطنين فيها، لكي يكونوا هُمْ لِلَّه.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.