الرئيسية > رأي عام > مقالات > رمضان وإيماننا: مِن هيمنة الأغلبية إلى أخلاق الحرية
رشيد سعدي (المغرب)

رمضان وإيماننا: مِن هيمنة الأغلبية إلى أخلاق الحرية

الإثنين ٢٠١٩/٥/١٣م   |   ١٤٤٠/٩/٩ هـ

في دول المغرب العربي، ومع مَطلع كلِّ شهر رمضان، يعُود النقاش بحِدَّة في وسائل التواصل الاجتماعي، حول العلاقة بين الدِّين والمجال العامِّ، وحول تَديُّن الأغلبية والحرِّيّات الفرديّة. وتَشهد هذه الدول حركاتٍ اجتماعيَّةً، يطالب أعضاؤها بالحقِّ في ممارسة حرِّيّتهم اللّادينية، في الإفطار علَنًا في الأماكن العامة، التي ظلَّت إلى حدٍّ قريب، مجالًا “مقدَّسًا” محتكَرًا من طرَف الصائمين.

في سياق تَنامِي الفردانية، يؤكِّد هؤلاء أنَّ حركتهم، محاوَلةٌ للتحرُّر من هيمنة الأغلبية على الفضاء العامِّ، ورفضٌ لوصاية المجتمع على اختياراتهم الفكرية وسلوكاتهم الاجتماعية. لذا، يطالبون بإلغاء القوانين، التي تعاقِب مَن يجاهرون بالإفطار في رمضان دون عُذر شرعيّ، ويرفضون كلَّ أشكال العنف الرمزي والمادِّي التي يتعرَّضون لها. تَنزِع الأغلبية الاجتماعية، كما الإسلامُ التقليدي والإسلام السياسي، إلى تبرير الإقصاء الاجتماعي الذي يمَسُّ الأقلِّيّة. فهي تَعتبر هذا السلوك مَسًّا لِقُدسيّة الإسلام، واستفزازًا وإهانة لمشاعر المسلمين، بل ودعوة إلى الفتنة. لذا، فإنَّ واجبها المقدَّس، هو الدفاع عن “الأمن الرُّوحي” للمسلمين. فالله “يَزَعُ [يكُفُّ ويَمنع] بالسُّلطان، ما لا يَزَعُ بالقرآن”!

ماذا يعني لي كلُّ هذا كمُسْلم؟ يجب تأكيد أنه لا وُجود لنصٍّ قُرآنيّ أو حديث، يُجرِّم الإفطار في رمضان علَنًا. فالعديد من الآيات تحُثُّ على ضرورة احترام حرية الآخرين في الاعتقاد، ونبذ الإكراه في الدين. فالحرية أصيلة في الإنسان، وغير قابلة للاستلاب. لا شك أن للصيام بُعدًا اجتماعيًّا رمزيًّا، ووظيفة خيريّة تكافُليّة. لكنه يظَلُّ بالأساس تجربة روحية باطنية، وعبادة لا يَعْلمها إلَّا الله تعالى، مِصداقًا للحديث القُدسي: “الصَّوم لي وأنا أَجْزي به”. لذا، لا يجب أن تكون تلك العبادة موضوع إظهارٍ خارجيّ، وإلَّا أصبح مجرَّد رياء.

تُشكِّل هذه الممارسات الإقصائية أيضًا، خَرقًا للمواثيق الدولية، حول حرية المعتقَد والضمير، وحقِّ الأفراد والجماعات في التعبير عن عقائدهم، دينيَّةً كانت أم لادينيّة، وخَرقًا لمبدأ المساواة في المواطَنة، والحِيَاد الديني للدولة، حيث الصَّومُ كما الإفطار حرِّيّتَان شخصيَّتان، لا يجوز المِساس بهما. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالبُعد القانوني، بل بحقيقة الإيمان نفسه.

إن السؤال الجوهري الذي يجب على الأديان أن تجيب عنه، هو: هل الحرِّيّة التزام أخلاقيٌّ عامّ؟ أعتقد أن الانسجام الديني، يَعني ضرورة قَبول حرية الآخرين، كشرط للإيمان والتديُّن الحقيقي. لذا، فإننا كمسلمين، يجب أن ندافع عن حقِّ اللَّادينيِّين في ممارسة عقيدتهم، حسب ما تُمْليها عليهم قناعاتهم، ولو كانت هذه القناعات تتصادم مع قناعاتنا. وكما أنه يجب على الأديان أن تكُون حاضنة للحرية، فإنَّ دَور الدولة في فلسفة الإسلام، يجب أن يكون هو ضمان الحريات، وحماية الأقلِّيّات من تَعسُّف الأغلبية.

لا يُمْكن أن يتحوَّل التديُّن الإسلامي، إلى سُلطة تَفرض نفسها على الآخرين. فالمسلمون ليسوا فرقة ولا جماعة مهيمِنة، بل إنَّ وصْفَ المسلمين لأنفسهم كأغلبية، يُعتبر انحرافًا عميقًا عن الفلسفة العميقة للدين. فقُوَّة الدين ليست بِعدد مؤمنيه، بل بقدرتهم على تجسيد قيمة الخير. بدأت الأديان ضعيفة بلا سلطة سياسية، وهكذا يجب أن تبقى. فحقيقتها، هو في انفصالها عن مَصادر القوة، وارتباطِها بالتزام ديني مَبنيّ على الإيمان بالغيب والثقة بالخالق.

قد يعيش المؤمن ما يعتقد أنه انحراف عن طريق الخلاص كمُعاناة، لكن ذلك لا يمنحه الحقَّ في استعمال العنف، ولا يجب أن تكُون مَقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مَدخلًا إلى قمع مَن لا يشاطرنا عقيدتنا، والاستقواء عليه بالجماعة والدولة. فهي مَقولة لا يمكن أن تَعني في سياقنا الحاضر، أكثرَ من كلمة الحوار والإقناع، التي نتوجَّه بها إلى الإنسان الحرّ.

 كلُّ هذا يؤسِّس للمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للدِّين في الفضاء العامّ، الذي هو مجال تجسيد الحرية كقيمة جماعية وجامعة، دون تمييز بين الأغلبية والأقلِّيّة. وعندما نطلب مِمَّن يرفض الصيام، أن يَتوارَى بالمجال الخاصِّ، فإنَّ في ذلك هدرًا لكرامة هذا الإنسان، الذي كرَّمه الله تعالى. فهل نحن مستعدُّون، لنتقاسم الفضاء العامَّ مع من يخالفوننا عقيدتنا؟ وهل نحن مستعدُّون للتخلِّي عن وَهْم الأغلبية، الذي يحوِّل الدِّين إلى قبيلة شاسعة الأطراف؟

إن طغيان الأغلبية الدينية هو إغراء يتهدد كلَّ المجتمعات. فلا يجب أن ننسى أنَّ مَن يخالفوننا -ولو كانوا قِلّة-، هُم جُزء من معنى العالَم، كما أراده الله. أيضًا لا يجب أن ننسى، أنه في صبرنا على الآخر ومحبَّتنا له، قد يأتي مَلكوت الرب. فالدِّين عِشقٌ يُنير القلوب، وليس سُلطة تهيمِن على الأجساد. والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.