تانيا عوض غرّة (لبنان)

سيدة الهندباء

الإثنين ٢٠٢٠/٥/١١م   |   ١٤٤١/٩/١٩ هـ

دخلتُ مطبخي، وبدأتُ بعمليّة غسل وتطهير طويلة، لكمِّيّة الهِنْدَباء الكبيرة التي اشتريتُها بسعر زهيد جدًّا، وأنا فَرِحَةٌ بالنَّوعيّة والسِّعْر، والكمِّيّة التي ستكفي لطبخ ثلاث وجبات! تلك النَّبتة المُرّة والغَضّة، التي تتحوّل ببطء إلى حلوة وناعمة، تحتاج إلى الحامض والبصل، لتَملأ الفم باحتفال نكهات صاخِبٍ لذيذ.
لا أعْلَم كيف رأيتُها، أو كيف استطعتُ -وسط زحمة أوراق الهِنْدَباء- أن أجد طرَفَ تلك الشَّعرة! اعتقدتُ أوَّلَ وهلة أنها سقطَت منّي. لكن، عندما بدأتُ بسحبها، أدركتُ سريعًا أنَّها شعرة غريبة. لوْنُها غيْرُ لون شعري. لونها أسود داكن، وطويلة جدًّا وناعمة.
سحبتُها، ولا أعْلَم لماذا لم أرْمِها مباشرة. وضعتُها أمامي على جنب “المَجْلَى”، وتأمّلتُها طويلًا. تلك الشَّعرة الثائرة، وصلَت إلى داري، حاملةً قصَّة صبيّة وانتفاضتها في مكان ما. فمَن صاحبةُ الشَّعر الأسود الطويل، التي قطفَت الهِندَباء في سهلٍ ما بعيدٍ؟ وما شكْلُها؟ وما آمالها؟ وما مَخاوفها؟ ولماذا تركَت شَعرها يتناثر حُرًّا تحت الشمس والمطر؟ ومَن تُواجِه هذه الفتاة أو المرأة؟ وما حُروبها الصغيرة؟ وأيُّ سُلطة تنقاد إليها؟ وما مدى شجاعتها وثَورتها؟ وبم تَحلم؟ وما رأيها في حياتها و”قَدَرِها” و”مستقبلها”؟
في ذاكرتنا الجماعيّة، وفي كُتُب القراءة المَدرسيّة، نتكلّم عن “المُزارِع” بصيغة المُذَكّر، مع معرفتنا لدور المرأة التاريخي في هذا القِطاع المظلوم. لكنّ الإجلال لعامل/عاملة الزراعة يأتي بصيغة المُذَكّر فقط. ومَهْما حاولنا، ننتهي إلى صورة “رجُل مُزارع” في ذاكرتنا الصُّوَريّة. ومع الوقت، يصبح دور المرأة المُزارعة -عندما نستذكره- دورًا ثانويًّا، وصورته ضعيفة في مخيِّلة سكّان المُدن. أمَّا الصورة النمطيّة المُدَعَّمة بالرسومات والصور، فهي لنساء مُنحنِيات تحت أشعّة الشمس، يُخْفِين ضفائرهنّ تحت وِشَاح، ويَرتَدِين ما يحميهنّ، ولا نرى وجوههنّ، نرى عمَلَهنّ فقط.
عند استذكار الزراعة، لا يبخل أحد بإطراء هذا الدَّور الأول والأساسي في سلسلة الغذاء. وأوّلُ مراحل تطوُّرِ الإنسان، انتقالُه من التَّرحال والصيد والقِطاف، إلى مرحلة الثبات والزراعة وإنتاج المحاصيل. وهي مرحلة شكّلت منعطفًا للبشريّة، حينما اكتشفْنا أننا إنْ قبِلْنا التَّعبَ والانتظار والاهتمام والصّبر والتضحية، يمْكننا التوقّف عن التَّجْوال في البَراري، ويمْكننا السَّكن والسكينة، والحُلم بأمور طويلة الأمد، أو بمستقبل ما. هي مرحلة تحوّلت البشريّة فيها إلى فصيلة مُنتِجة، تتعامل مع العوامل الطبيعيّة بذكاء، وتُطَوِّع ما تستطيع تطويعه في الطبيعة لخدمة مُستدامة. إنَّها مرحلة كانت مَفصِليّة في تطوُّر فكرنا الحديث، وتركَت أثرَها في الأدب والأساطير والدِّيانات، وأكسبَتْنا شِيَمًا وقِيَمًا مُتَقَدّمة.
اليوم، وفي عصرنا الحالي، نَعْلم أنَّ “الصَّيد” -بكُلِّ ما يَحمل من أنواع وتسميات، كصيد الأراضي والبشر والموارد الطبيعيّة، من خلال الحروب العسكريّة والاقتصاديّة والنّفسيّة-، غيْرُ كافٍ، وآثاره مُدمّرة للأرض والبشر. ونَعْلم أنَّ “القِطاف” -بكُلِّ ما يَحمل من استفادة مرحليّة من الموارد والبشر دون تعب أو تعويض، وبكُلِّ ما يَحمل من أنواع وتسميات، كالاستغلال والسرقة والجشع والوُصوليّة واللامبالاة-، غيْرُ كافٍ للاستمرار، وآثاره مُدَمّرة للأرض والبشر.
أيضًا نَعْلم أنَّ “مَن يَزرع يَحصد”، و”مَن طلَب العُلَى سهر الليالي”، و”مَن جَدَّ وَجد”. ونَعْلم أنَّ: الزراعة والانتظار والاهتمام والمحبّة واللطف والصبر والثبات والأمل والتعاطف، قِيَمٌ بنّاءة لتشبيك مجتمعاتنا البشريّة، وعناصرها نساء ورجال وفتَيات وصِبيان، كما الأرض بعناصرها الأنثويّة والذكوريّة، وبتنوّع نباتها وحيواناتها. وهي الدَّور الأساسي والمحوريّ، لكلِّ عنصر منها في دائرة الحياة. فما مِن دَور “أهَمّ”، أو دَور “ثانَويّ”، في خدمة استمراريّة الحياة. وما مِن أحد له ولاية على أحد بحسب نَوع جِنسه. والطبيعة بتنوّعها وتشابُكها مَدرسة لنا، إنْ نظرنا بقلوب مفتوحة. لكنَّنا ننسى أحيانًا، ونتأثّر بثقافاتنا الآنيّة، وبمكتسَباتنا من ثقافاتٍ سبقَتْنا، ونُشكّل صورًا نمطيّة بصيغة المُذكّر، في الكلام عن الأدوار التي تَبني المُجتمعات والثقافات.
اليوم، وفي مطبخي الصغير، قامت شعرة سوداء ناعمة طويلة، بفتح عقلي وقلبي، وتنبيهي على صُوَرِي النّمطيّة التي تغلغَلَت في ذاكرتي بصمت. في مخيِّلتي، صاحبة تلك الشعرة لم تكن ترتدي وِشاحًا، ولم تكن تَربط شعرها الطويل الأسود. سيّدة الهِنْدَباء الثائرة في السَّهل، تَمدَّدَت لتُصبح قَدَمَاها مغروستَين في الوحل، ويداها مبسوطتَين على امتداد السهول، ورأسها في السماء وسط النجوم، وشعرها الأسود الأمْلَس يعصِف رياح تغيير في مُخيّلتي، ويصرخ: أنا هنا، في كلّ مكان، أعشق، أتعب، أزرع، أحصد، أحْلُم… وأَبْني حضارات.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.