وجدان بو عبدالله (تونس)

شخصية العام

الإثنين ٢٠١٨/١٢/٣١م   |   ١٤٤٠/٤/٢٣ هـ

ما زلتَ تُصغي إلى نفسك، رغم كلِّ الهزَّات التي مررْتَ بها طَوال العام وما قبْله. أنتَ إذًا حتمًا ما زلتَ تَحْيا.

أنتَ أيُّها الخارج كاملًا من سَحْق الحياة لك، في سنة كنتَ تَخالُها لا تنتهي. ها أنتَ جالس في الركن نفسه في هذه الفترة من السنة كَكُلِّ عام، تَكتب تهاني بحلول السنة الجديدة للذين هاجروا، والذين تركوك أو تَخلَّوا عنك بعملية حسابية لم تنتبه لها. وتكتب كذلك وأنتَ تختنق بالدموع، لاستحضار ذِكرَى الذين رحلوا إلى عالم آخر في حرب، أو برصاص حيّ في مظاهرة، أو ربما في عُرْض البحر حين حاولوا عبور المتوسط. تشتاق إليهم، ولا تستطيع أن تكتب إليهم، فتَكتب عنهم.

وأنتَ أيُّها الجالس في ركن ركين في مقهى، تنفث سيجارتك الأخيرة التي اقترضْتَ ثمنها من أمّك، وتشرب قهوةً وعَدْتَ النادل بدفع ثمنها لحظة يصل رفيقك. عامٌ آخر يمضي وأنت عاطل من العمل، كآلاف الشباب الذين تَخرَّجوا في الجامعات، ولم يُحصِّلوا عَمَلًا. بِدَورك تضع خططًا للعام القادم، تفكِّر في كتابة سيرتك الذاتية بشكل مختلف، وأن تُقدِّم لعمل مختلف عن تكوينك. لا بأس، الحياة تَحايُل على الظروف، والتفافٌ على العراقيل، وتأقلُم مع الراهن المُتاح. “ربما القادم أفضل”، تقول في قرارة نفسك، منتظرًا في لهفة حلول العام الجديد.

 وأنتِ أيَّتُها المُعِينة المَنزليّة، لا فستان جديد لكِ آخر السنة. فالمال قليل، تُرسلينه دون نقصان لأبيك، حتى لا يَنقص إخوتَكِ شيء. “سيكون العام الجديد أفضل”، تَهمسين إلى نفسك، وأنتِ تتخيَّلين ابتسامات إخوتك الصِّغار، لحظة وصول أبيكِ إليهم بأحذيتهم الجديدة التي أرسلتِها إليهم.

وأنتِ أيَّتُها النائمة في سريرك، تُمرِّرين يدكِ على شَعركِ القصير جدًّا، الكثير التساقط. جلسات الكيماوي انتهت، والشفاء قريب. كان عامًا صعبًا، لكنكِ هنا تقاومين، تضَعِين خططًا للمستقبل، وترسُمِين بأحمر الشفاه. النصر على الداء قريب مثلما وعدكِ الطبيب. أنتِ اليوم أقوى وأشرس، رغم كلِّ ما حدث.

وأنتَ أيُّها الواقف عند الباب، تَحرس شِقَق الغائبين في تلك البناية الشاهقة. ولحظةَ تَلمعُ السماء بالألعاب النارية منتصف الليل، ستفكِّر في كلِّ الذين لم يسألوا عنك طَوال اثنَيْ عشر شهرًا، ودون لؤم ستدعو لهم بكلِّ الإيمان الذي في صدرك.

وأنتم يا أُسْرة الشابِّ الذي أنقذ مجموعة أطفال من حريق شبّ في الحِضانة، هو الآن يرقد في مشفى العلاج من الحروق، دون إصابات خطيرة. سيعود بعد رأس السنة إلى البيت، ولن يَعُود كلُّ شيء مثلما كان، بل أفضل. لقد عرَفتُم أن ابنكم الذي كُنتُم تسمُّونه “الفاشل” لأنه عاطل من العمل، أصبح بطلًا وطنيًّا، حَوّل بيتكم مزارًا للمهنِّئين لكم بِابنكم “البارّ”. عام جديد يأتي وقد تغيَّرتم بفضله، لا العكس.

وأنتَ أيُّها المدير العامّ، تُغادر مكتبك متأخِّرًا آخر السنة، كما لو كان الاحتفال برأس السنة لا يعنيك. اليوم عرفْتَ، بل تأكَّد لدَيْك أن مَعْملك لن يصمد أكثر. فالأسواق تقلَّصت، والصفقة الأخيرة لم تكتمل. تُفكِّر في تلك الأُسَر التي تُشغِّلها وتُعوِّل عليك. ماذا يفعلون لو أغلقْتَ المَعْمل؟ ستَعُود إلى بيتك مهمومًا بتلك المسؤولية، ونداءُ الواجب يُلحُّ عليك في أن تجد الحلّ سريعًا، بعد عطلة رأس السنة.

وأنتِ أيَّتُها الواقفة، صامدة كسنديانة لا تهزُّها الريح، تُواصلين نضالك في سبيل المعنَّفات، تجهِّزين الحلوى التي ستقدِّمينَها بعد ساعات لنزيلات مركز النساء المعنَّفات، سترتجلين خطابًا حماسيًّا، ولن تنسَي بعض الدعابة هنا وهناك للتخفيف عمن كُسرن باعتداء جنسي أو جسدي. قِلَّة تَعرف أنكِ بِدَوركِ معنَّفة جنسيًّا حين كنتِ طفلة. ترسُمين خطط برامج توعوِيّة للعام الجديد على دفترك، وتَمضين إلى أُمسيَّتك.

وأنتما أيُّها الزوجانِ الضاحكان على الدوام، بعد مضي 30 عامًا من العيش المشترك، لم تُنجبا، لكنكما تَصنعان في كل رأس سنة، بهجة الأطفال المرضى في المستشفيات، والأيتام في دُور الأيتام. صِرتُما والدَين للعشرات. آخر كل عام، هو مناسبة لتجديد العهد الذي قطَعْتُماه، بصنع فرح لأطفال ليسوا أولادَكما.

وأنتَ أيُّها الصحافي الجالس خلف الجميع، تراقب ما يحدث حولك وتحاول نقله، لستَ مسؤولًا عن المآسي التي تَحدث، لكنك أوَّل من يشتمه القرّاء لحظة يشاهدون النشرة، أو يقرؤون الصحيفة، أو يطَّلعون على خبرك في الموقع الإلكتروني. وددتَ لو كان العالم أخفَّ بكثير وأرحم بكثير، لتكتب عناوين خفيفة ولطيفة وسعيدة بنهايات تمنَّيتَها. تكتب حصيلة أخبار العام، وأنت تَعُدّ حجم الخسارات في العالم وخساراتك.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.