الرئيسية > رأي عام > مقالات > عاشوراء: ذِكرَى ابن الإنسان
رشيد سعدي (المغرب)

عاشوراء: ذِكرَى ابن الإنسان

الإثنين ٢٠١٨/٩/٢٤م   |   ١٤٤٠/١/١٤ هـ

تحدَّثَت الصحف المَغربيّة خلال هذا الأسبوع، باستعداد شيعة المغرب للخروج علَنًا، للاحتفال بذكرى استشهاد الإمام الحُسَين وتنظيم مراسيم العزاء. أثار ذلك نقاشاتٍ حادَّة على مواقع الصحافة الإلكترونية، حيث رَبطت المئاتُ من التعليقات بين الطُّقوس “الدّمويّة” لعاشوراء، و”الانحراف” الذي تمثِّله العقيدة الشيعيّة. ومنذ سنوات، انخرط فاعلون دينيُّون كثيرون، في التحذير من خطر التشيُّع على الوَحْدة المذهبية، والأمن الروحي للمغاربة.

يتميَّز عاشوراء عمومًا في المغرب، بالإضافة إلى سُنَّة صوم العاشر من محرم، بالكثير من العادات الاحتفالية، مِثل: شراء اللُّعَب والملابس للأطفال، وإيقاد النار والتراشق بالماء، وإنشاد أهازيج على إيقاع “الطعريجة” المغربية، وغيرها من الاحتفاليّات الشعبيّة الـ”جامحة”، التي قد تكون جذورها ممتدَّة إلى تاريخ ما قبل الإسلام.

يكتفي أغلب أهل السُّنَّة في عاشوراء بالصوم إحياءً للسُّنَّة النبوية، لكنه يبقى يوم عيد وفرحة. فيرفض أئمة السُّنة إظهار علامات الفرحة شماتَةً بمقتل الحسين، لكنهم يرفضون أيضًا تحويل الفرحة بنجاة النبي موسى، إلى يوم لطم وحزن. ويشكِّك الكثير من الشيعة في حُجِّيّة هذا الصوم المَبنيّ -في اعتقادهم- على أحاديث مكذوبة؛ للتعتيم على استشهاد سِبْط النبي، وتحويل الحزن إلى فرح، بالتزيُّن و”التَّوسعة على العيال”. وقد ذهب بعض المفكِّرين السُّنّة المغاربة، إلى أن طريقة احتفال المغاربة بعاشوراء، جزءٌ من انحرافات “النَّواصب”، الذين افتَرَوْا على المسلمين الابتهاجَ بمصائب أهل البيت.

بالنسبة إليَّ، يتعلق الأمر بإشكالية أخلاق الممارسات الدينية، أو القدرة على التعاطف. وقد اعتقدتُ دومًا أن التغييب التامَّ لمشاعر الحزن، والنسيان أو التناسي للتاريخ المؤلم الذي يحمل دلالات بالغة لجماعة دينية (مسلمةً كانت أو غير مسلمة)، حيث كان الأَوْلى أن يكون مؤلمًا لنا أيضًا؛ لَدلِيلانِ على انحراف عميق، يميِّز أنماط التديُّن الشكلي. إنني أُؤْمن بعمق، بأن وظيفة الدِّين الأُولى هي التعبير عن الإنسان، وهو ما أسمِّيه المسؤولية الأخلاقية للأديان.

قد لا أكُون متَّفقًا على طقوس جَلْد الذات، وتعذيب الجسد، وتكريس فكرة الموت، لكني أرى أن نسيانَ أكبرِ مآسي الإسلام، مِن مَقتل ثالث أئمّة أهل البيت ظُلمًا بكربلاء، وقطع رأسه، وسَبْي نساء أهل البيت وإذلالهنّ، يُعتبر نسيانًا للإنسان بدعوى درء الفتنة. إن ممارسة الصوم، وتناسي ذِكرى الشهيد، قد لا يَكُونانِ إلَّا هروبًا إلى زمن “القصص والمعجزات”، ونسيانًا لزمن “الفجيعة”.

من جانب آخر، قد تُكرِّس طُقوسُ المَظلوميّة في عاشوراء عند إخواننا الشِّيعة، ثقافةَ اللَّعَنات ضد رموز السُّنّة، وشيطنة “السُّنِّيِّ القاتل”، المبرِّر للقتل أو حتى اللَّامُبالي، كذلك تُكرِّس كلَّ الصُّوَر النمطيَّة السُّنِّيّة عن الرافضة الذين “يَعبدون الحُسَين، ونحن نَعبد ربَّ الحسين”،  لدَى السَّلَفِيّ الذي “يتمنَّى قيام ساعة الجهاد ليُقاتلهم”.  

لكن، يجب ألّا ننسى أن الإمام الحُسَين هو رمز قضيَّة الإسلام نفسه، أي الإنسان. فهو لم يكن سُنِّيًّا ولا شيعيًّا، ولم يَمُت من أجل مذهب، ولا حتى من أجل الدِّفاع عن الحقيقة فقط، بل دفاعًا عن قيمة العدل ودولة الشُّورَى. وأنا لا أتحدَّث بالإمام الحسين لأنه سِبْط الرسول فقط، بل لأنه ابن الإنسان. ويُجادل الكثيرُ من المفكِّرين السُّنّة في أن شخصيات إسلامية كبرى، كحمزة أو عمر بن الخَطَّاب، لا يَقِلُّون عظمةً عن الحسين. لكنَّ كربلاء، كانت في اعتقادي حدثًا فاصلًا. فهي مأساة أسَّسَت لانتهاء تاريخ العدل في الإسلام، وبداية تاريخ الظُّلم داخل المجتمعات الإسلامية.

إن مأساة الحسين وأهل البيت، تعني ضرورة الانتقال من الفقه المذهبي والعشائرية الدينية، إلى القيم الكونية. لا شك أنه قد آن الأوان لحوار مَسكوني سُنِّيّ-شيعي، وإبداع رمزيات دينية جديدة، كالوقوف مثلًا كلَّ سَنة، دقيقة صمت وحزن، داخل كلٍّ من مساجد العالم الإسلامي، في ذكرى استشهاد مَن كان قُرَّة عين الرسول، وفرحة فؤاده. يقول الفيلسوف “إرنست بلوخ”: إن اليوتوبيا، أو حُلم المدينة الفاضلة، لا تعني التَّوق إلى المدينة التي لا وجود لها، بل إلى المدينة التي لم توجد بَعْد. فهي شرط الأمل في ولادة إنسان جديد.

عندما جرَت محصارةُ الإمام الحسين في كربلاء، دعا ربَّه: “اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كَرب، ورجائي في كلّ شدّة”. فلم يكُن مَقتلُه جزءًا من الماضي، بل هو رمز الإسلام، كمشروع لبناء الإنسان المكرَّم.

استُشهد الحسين، لكنه صَنع الثقة والأمل، بأن يأتي ملكوت الله يومًا بيننا، وإلينا جميعًا، نحن أبناء الإنسان، والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.