الرئيسية > رأي عام > مقالات > عندما تتحرَّر الأديان من أسوارها
رشيد سعدي (المغرب)

عندما تتحرَّر الأديان من أسوارها

الإثنين ٢٠١٩/٤/٠٨م   |   ١٤٤٠/٨/٣ هـ

شكَّلَت زيارة البابا فرنسيس للمَغرب حدَثًا استثنائيًّا، على درب التقارب والحوار الديني الإسلامي-المسيحي. لكن، يبقى أن من أهمَّ ما ميَّز الزيارة البابوية مجتمعيًّا في المغرب، هو النقاشات الحادَّة التي شهِدَتها مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، حول “نازلة” الحفل الفنِّي الموسيقيِّ، الذي احتضنه معهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات في الرباط، بحضور ملك المغرب والبابا فرنسيس، حيث قام ثلاثة منشدين (رجل وامرأتان)،  بإنشاد مَطْلع الأَذان، وترانيم “السلام عليكِ يا مريم”، وبعض تراتيل يهودية. فامتزجت أدعية الأديان التوحيدية الثلاثة.

أثار هذا الحفل ردود فعل غاضبة، خصوصًا من طرَف شيوخ السَّلفيّة، بل حتى من مؤسَّسات إسلامية دُوَلية. فذهبت الانتقادات إلى أن إرفاق الأَذان بالموسيقى، إساءة لقُدسيّة شعيرة الأَذان، واعتبرت أن الدمج و”التلفيق” بين الأَذان -بصفته “شعيرة مقدَّسة”-، والأناشيد المسيحية واليهودية، يُعَدُّ مَسًّا لِلثَّوابت الشرعية والمقدَّسات الإيمانية. فرفْعُ الأَذان وكلمة التوحيد مع “الموسيقى”، وسط “ترانيم النصارى وتَبرُّج النساء”، يُعدُّ هدْمًا للتوحيد، وخلْطًا بين طقوس الإسلام وطقوس “وثنيَّة”.

بالنسبة إليَّ، تَكشف هذه الانتقادات عمَّا يُمْكن أن نسمِّيه انغلاقًا على القيم الدينية المشترَكة، وعلى الرَّحابة الإلهية. فأظهرَت بعض هذه الخطابات نزعة طُهرانيّة استعلائية، أساسُها عقيدة احتكار الخلاص، والتفوُّق الديني، وتحقير الآخر، مع أن القرآن يَهدم هذه العقيدة، ويربط النجاة بالإسلام، أي بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ويَعتبر البشر جميعًا “عيال” الله. وقد كشفَت بعض الانتقادات أيضًا، عن نوع آخر من الانغلاق على رحابة التجربة الدينية، في علاقتها بقيمة الجَمال التي تمنحها بُعدًا إنسانيًّا ساميًا، عبْر رفض مزج الشعائر الدينية بالموسيقى، على اعتبارها رجسًا من اللهو والدنس، الذي لا مكان له في المقدَّس. فيَجري التغاضي هنا عن حقيقة مهمَّة، مرتبطة بعلاقة كلِّ الأديان بالموسيقى. وهي أن ترتيل القرآن وتجويده، وأيضًا الآذان، يَحصُل من خلال التنغيم عبر المقامات الموسيقية، فضلًا عن الابتهالات والأناشيد الصوفية في حلقات الذكر. بل يمكننا اعتبار الموسيقى بمنزلة مشترَك إنسانيّ يقوم بوظيفة روحية وتطهيرية. لذا، يُمْكنها تحريرنا من نزَعات العنف والكراهية.

إن هذه الانغلاقات، هي التي تحُول بيننا وبين الولوج في التأويل الإيجابي للأديان، ولمشتَرَكها الإيماني. لذا، فإن أغلبيّة المنتقِدِين، لم يطَّلعوا حتى على كلمات الترانيم المسيحية والمزمور اليهودي، والتي تتمحور حول  التغنِّي بالمجد الإلهي ونَعْمائه.

إن السؤال الذي نطرحه هو: “هل كانت الحدود المكانية بين الأديان، عائقًا أمام تأسيس قيم الإخاء والتعارف والتسامح؟”. اعتقَد بعضهم مدةً طويلة، أنه كُلَّما كانوا متشدِّدين في اتِّباع قواعد الفصل، كان إيمانهم صحيحًا. لكن، تبدو لي مثل هذه الفكرة غير صالحة لأزمنتنا، نظرًا إلى التحوُّلات في طريقة فهمنا لديننا وأديان الآخرين. لذا، فإن دمج الأَذان بالترانيم، هو في الحقيقة تجربة إنسانية ودينية فريدة، ورمزٌ لترابط ممكن بين الأديان، قد يؤسِّس لقبول الآخر ونبذ العنف والكراهية.

يُمْكننا ذكر الكثير من الأمثلة هنا، مِثل حضور رئيسة نيوزيلندا صلاةَ الجمعة عَقْب العمل الإرهابي الأخير، أو فتْح اليهود كنِيسَهم في فيكتوريا بولاية تكساس الأميركية للمسلمين سنة 2017، بعد احتراق المركز الإسلامي فيها. فمِثل هذه الممارسات الإنسانية، أصبحت جزءًا من عالَم، لم تَعُد فيه الأديان قادرة على أن تجسِّد قيمها الإيمانية، دونما أن تَخلق مساحات مشترَكة للإيمان.

مع اتِّفاق أغلب فقهاء المسلمين، على أن صلاة غير المسلمين في المساجد جائزة، إلّا أن ذلك أصبح صعبًا الآن في الكثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية، حيث يستدلُّ السَّلفيُّون بقوله تعالى: {وأنَّ المَساجِد لِلَّهِ فلا تَدْعُوا مع الله أَحَدًا}، مُتناسِين أن مُؤْمِني الديانات الأخرى يَدْعُون الإله الواحد، كلٌّ حسب تَصوُّره، وأن الطريق إلى الله بعدد الخلائق -كما يقول الصوفية-.

إن التوجُّه إلى الإله الواحد في فضاء عابر للأديان، لا يُعدُّ تدنيسًا للدِّين، بل تكريسًا لقُدْسيّته، ثم إنّ اسم الله لا يتقدَّس، إلَّا من خلال حُبِّ الآخرين واحترام عقائدهم، تمامًا كما أن خطيئة الخطايا هي فصل الدِّين عن الإنسانية. يقول مولانا جلال الدين الرومي: “قيمة الإنسان ليست بما يَمْلكه بل بما يمنحه، فالشمس تَملك النار لكنها تملأ الكون نورًا”.  لذا، بدل أن نتوارى -نحن المؤمنين-  خلف حقائقنا المُطْلَقة، فإن الأكثر سُموًّا هو أن ننفتح على رحابة إنسانيتنا المشتركة، حيث يَكمن المعنى الحقيقي للقَداسة والمُطْلَق.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.