الرئيسية > رأي عام > مقالات > عندما توحَّدَت الحَناجر
نايلا طبارة (لبنان)

عندما توحَّدَت الحَناجر

الخميس ٢٠١٩/١٠/٢٤م   |   ١٤٤١/٢/٢٥ هـ

الأحد في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2019، في لبنان، ساحة الشهداء. نصف ساعة قطَعتُ فيها عشرين مترًا فقط بسبب زحمة الناس. أعجوبةٌ أنه لم يختنق أحد، أو يؤذَ أحد. صعدتُ أخيرًا على أدراج مسجد محمَّد الأمين المُطلِّ على ساحة الشُّهداء، ولم أصدِّق المَشهد. انهمرت الدُّموع حمدًا. لم أرَ في عمري هذا البحر من اللُّبنانيِّين/ات، حاملين/ات أعلامًا لبنانيّة فقط. بَحْر! لا بل محيط، على مدّ النَّظر من كافَّة الجهات. وجوه النَّاس مُشْرقة.
سنواتٍ عديدة، وأنا أَلْحظُ فيها يومًا بعد يوم وجوه أبناء بلادي، تزداد عُبوسًا، حتى كدنا نصبح شعبًا كارهًا لنفسه. كلَّ يوم نَشعر بالغَبْن، كل يوم نَشعر بالاستغباء التام، كلَّ يوم نكاد نختنق من عدم قدرتنا على مواجهة الفساد. ومَن يحاول أن يثور -أقلُّه على مواقع التَّواصل الاجتماعيّ- يُسحب للتحقيق، إلى مَكتب مكافحة جرائم المعلوماتيَّة. هذا إن لم يُسجن.
سِنينًا وحناجرنا محتجَزة، محاصرة، مقيَّدة. شعبُنا كان يختنق من كبْت الحنجرة. وبالصّدفة، على بُعد ثلاث درجات مني، لمَحتُ صديقةً لي ناشطة في المجتمع المدنيِّ. عندما وصلتُ إليها، صرخنا -نحن الاثنتَين-: “شيء لا يُصدَّق! أجمل مشهد في حياتنا”. ثمَّ وضعَت كلُّ واحدة مِنَّا يدها على حنجرتها، وصِحْنا في نفس الوقت بما معناه، أنَّنا تحرَّرنا من الحَجَر العالق في حناجرنا منذ سنين.
المظاهرات الَّتي تعمُّ لبنان، تَجمع الجميعَ، ليس الأبناءَ والبنات في شتّى المناطق فقط، ولا المسلمين والمسيحيِّين أو الدينيِّين فقط، ولكنَّها تَجمع المَعدومين والميسورين وكلَّ مَن بينهما. الجميع، ما عدا الطَّبقة السِّياسيَّة، وكبار الأغنياء المعروفين بتآمُرهم مع الطَّبقة السِّياسيَّة الطّاغية. ليست المظاهرات انتفاضةً على سياسة التَّجويع والتَّفقير وسلب أبسط الحقوق فقط، بل هي أيضًا انتفاضة على سياسة الاستهتار بكرامتنا البشريَّة وهتْكِها يوميًّا، وانتفاضةٌ على سياسة الاستغباء التام لعقولنا، في كل صفقة تجري بين أفراد الطَّبقة الحاكمة، لِتُفرغ جيوبنا وتَملَأ خزائنهم.
سنواتٍ وهُم يَشلُّون البلد، ويُنعشون حساباتهم المصرفيَّة، يَسلبوننا الحقَّ تلْو الآخر: من ضمان شيخوخة، إلى معاش تقاعُد، إلى استشفاء… ثم يفرضون علينا ضرائب متصاعدة على الأمور الحياتيّة الأساسيَّة. أمَّا الكماليَّات الَّتي تتمتَّع بها أغنى طبقة في المجتمع، فتُعفى من الضَّرائب. سنينًا ونحن نعيش ظُلمًا ممزوجًا بالاستخفاف بعقول النَّاس، ويُزاد عليهما التَّخويف من تُهَم التَّخوين، إِنِ انتفضنا وقلَبْنا الطاولة على إقطاعِيِّي السُّلطة.
بعضهم سخِرَ مِنَّا، مُسمِّيًّا انتفاضة لبنان “ثورة الواتساب”؛ إذ إنَّ ما دفع النَّاس إلى الشَّوارع مشروعُ قانون جديد، يستهزئ بعقول الناس وبالمنطق بشكلٍ عامٍّ، بفرضِه ضريبةً على “الواتساب”. فكانت القشَّة الَّتي قصَمَت ظهر البعير: أيُعقل أن تَحدُث السَّرقة والنَّهب من قِبل رجالات السُّلطة، بهذا الشَّكل المتبجِّح؟
أتت قصَّة الواتساب، بعد ثلاثة أيَّام من حادثة أخرى هزّت لبنان. ففي 14 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2019، استيقظ لبنان على دخان حرائق مُرعِبة في غاباته، وعلى فشل السُّلطات المَعنيَّة في إخمادها. وفي اليوم الثَّاني، كبرت الحرائق وبدأت تعمُّ كافَّة المناطق اللُّبنانيَّة. وظهر حينها -ليس فشلُ السُّلطة فقط، بل وأيضًا- عدم مبالاتها، وكأنَّ أرواح النَّاس لا قيمة لها. ولكن، اكتشف اللُّبنانيُّون واللُّبنانيَّات في ذلك اليوم كنزًا لديهم، لم يكونوا واعين له: وهو “بعضهم بعضًا”. فالتَّكاتف والتَّضامن، وهرَعُ النَّاس إلى مساعدة بعضهم بعضًا من مختلف المناطق والطَّوائف والشَّرائح الاجتماعيَّة، أظهر وجْهًا آخَر لواقع اللُّبنانيِّين/ات، وشمل التَّضامنُ سوريِّين/ات وفلسطينيِّين/ات، ليُسكت الدَّعوات العنصريَّة الَّتي عوَّدَنا إيَّاها بعضُ السِّياسيِّين.
إذًا، فاجعة الحرائق أظهرَت علَنًا، أنَّ مَن يكرِّر لِلُّبنانيِّين/ات أنه حاميهِم بِاسم انتمائهم الطَّائفيِّ، وأنَّه خلاصهم الوحيد، لا يُهمُّه أمرُهم، لأنَّهم بالنِّسبة إليه كالبعوض. إلَّا أنَّها أوضحت لِلُّبنانيِّين/ات قدرتهم على التَّكاتُف، وعلى الوقوف مع بعضهم بعضًا. أظنُّ أنَّ هذا الاكتشاف أعطى الانتفاضة زخْمًا، انتفاضة شعبيَّة لا قائد لها، فتضامنَت فيها طرابلس مع صور والأشرفية مع النبطية، ثم هاتان الأخيرتان مع جل الديب. خروج النَّاس إلى الشَّارع، هو خروجهم من الخوف، ومن اليأس، ومن الصَّبر على هتك كرامتهم وحقوقهم والاستهزاء بقيمتهم البشريَّة. خروج الصَّوت العالق، والغضب المكبوت، الَّذي تُرجِم بالشَّتائم، وكسْرِ تابُوَات التّلفُّظ بأسماء شخصيَّات مقدسَّة لدى بعضهم. فتنَبَّه الشَّعب على أنَّ القدسيَّة تكُون له إنْ كان متكاتفًا، وأنَّ صوته واحد من الشَّمال إلى الجنوب، من غرب لبنان إلى شَرقه.
صحيح أنَّ الهُتافات في المظاهرات ليست موحَّدة أو قويّة دائمًا، وأنَّ المستقبل مجهول، وأنَّه لا خطَّة طريق واضحة بَعدُ، إلَّا أنَّ الأنفس تحرَّرت، والحناجر توحَّدَت، ولا يمكن إعادتها إلى سجون الخوف الطَّائفيِّ أو العنصريِّ أو الجَماعَوِيِّ.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.