الرئيسية > رأي عام > مقالات > فرصة انتخابات ٢٠٢٢
مصطفى سعدون (العراق)

فرصة انتخابات ٢٠٢٢

الثلاثاء ٢٠٢٠/٣/١٠م   |   ١٤٤١/٧/١٦ هـ

طرْحُ فكرة تشكيل تيَّار أو تيَّارات سياسية عراقيّة من رحِمِ ثورة تشرين الأول/أكتوبر، قد لا يَرُوق الكثيرين/ات. وهنا أقصد الشباب الثائر والمؤيِّدين لهم. فمِنهم مَن يعتقدون أنَّ هذه التَّيَّارات، ستتماهى مع التيارات والأحزاب السياسية الموجودة حاليًّا. لكن، برأيي الأمر ليس كذلك.

حقَّقَت الثورةُ العراقية منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، ما لم تُحقِّقه أيّة حركة احتجاجية في العراق منذ عام 2003. لكنَّ هذا لا يعني أنها لم تكن استمرارًا لاحتجاجات أعوام 2008 – 2011 – 2015؛ إذ تمكَّنَت من خلق وعيٍ شعبيّ كبير، تجاه دولة المؤسَّسات التي نَطمح إليها. وقد اعتمد الشباب في الاحتجاجات منذ بَدئها على الآليَّات المَيدانية، ورسموا صورًا مثاليَّة للسِّلميَّة، على رَغْم كلِّ ما تَعرَّضوا له من قتل واختطاف وترهيب واعتقالات. فحافَظوا على إطار عامٍّ لاحتجاجاتهم، مع وجود بعض الحالات التي خرجت عن السِّلميّة.

عَرفَت الأحزابُ السياسية المشارِكة في السُّلطة منذ عام 2003، أنَّ أجيالًا جديدة وُلدت، ستقول كثيرًا: “لا”، بِقَدر ما كَثُر الإهمال والفساد والخراب في البلاد. فزَعزع شبابُ الثورة عُروشًا، لم يكن أحدٌ يَتوقَّع أن تُزعزَع، وكسروا حواجز خوفٍ كبيرة بُنيَت أو بنَوها بأنفسهم. وفضلاً على ذلك كلِّه، أعادوا الهُويَّة الوطنية العراقية المُغيَّبة.

اليوم، وبَعْد القوة الشعبية التي برزت، يجب استثمار كلِّ ذلك قبل أن يذهب هباءً منثورًا. فأغلبُ الأحزاب والجماعات المسلَّحة المرتبطة بها، تَفرح باستمرار الاحتجاجات السِّلميّة وغير السِّلميّة، لأنها لا تُريد دخول منافسين سياسيِّين لها، وترى مصلحتها في إبقاء الاحتجاجات مِن دون أيِّ عملٍ سياسي، وهي المتهَمة من قبل الثائرين/ات بأنها تُريد وتستعِدّ لقمع كلِّ مَن يقف في وجهها. وقد نُبالغ لو قُلنا بأنَّ الحَراك مِثاليٌّ، أو أنَّ التَّيّارات السياسية التي ستَخرج من قلبه، ستكُون كلُّها نظيفة ونزيهة، وبعيدة عن طريق قُوًى سياسية مارسَت الخراب منذ سنة 2003. فسوف تَخرج تيَّارات من داخل الثورة، وتقف ضد شبابها في يوم ما، لكن التعويل دائمًا على الجيل الجديد، الذي برز منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019.

اليوم، هناك فرصة كبيرة لاستثمار غضب الشباب، في مشروع سياسيّ يُلبِّي طموحاتهم، ويُحقِّق الأهداف التي وضعوها ورفعوها، عندما كانوا يُخطَفون ويُقتلون. هذا الجيل ما لم يُستثمر، فإنَّ دماء ضحايا الثورة ستضيع. وبحِسبة أرقام بسيطة، يُشكِّل الشباب العراقي وَفْق إحصائيّات وزارة التخطيط من عمر 15- 39 سنة: 15 مليونًا و240 ألف نسمة. وهؤلاء أكثرُ من ثُلث المجتمع، ويحقُّ لهم جميعًا التصويت في الانتخابات عام 2022. لذا، صارت الفرصة سانحة أكثر أمام الشباب، للخروج بتيَّارات سياسية مُنافِسة للموجودين حاليًّا.

بصراحة تامَّة، نحن في نظام سياسي ديمقراطي، شِئنا أم أبَيْنا. نَعم، هو نظام مُشوَّه، ويُعاني خللًا كبيرًا. لكن إمكانية إسقاطه أو التفكير في ذلك، غير صحيحة برأيي؛ إذ هو نظام تعدُّديٌّ ليس ديكتاتوري، أو نظامُ حزب واحد أو شخص واحد أو عائلة واحدة. لذا، فإنَّ سلْك الآليّات السياسية الديمقراطية، سيَخلق نظامًا سليمًا، متخلِّصًا من كلِّ شَوائب المُحاصَصة وتوزيع الغنائم. ولا تبدو هذه الفكرة محبَّبة لدى بعضهم. لكن، قد تكُون هي الحلّ؛ إذ استمرار الاعتماد على التظاهر وغَلق الطُّرق ومواجهة السُّلطة بسِلميَّة، لن يُجْدي نفعًا وحده، إلّا أنَّ المشارَكة في الانتخابات قد تكُون فكرة فاشلة، إنْ لم تكُن الانتخابات نزيهة، وبقانون انتخابيٍّ عادل، يكُون فيها الصوت وحقُّ الاختيار هو الفيصل، لا السِّلاح أو المال أو النُّفوذ السياسي.

لو دخلَت التَّيّاراتُ السياسية المنبثقة من الشباب الثائر الانتخاباتِ المقبِلةَ، وعمِلَت قبل ذلك على توعية الشباب ودفْعِهم باتِّجاه المشاركة في الانتخابات، لَحقَّقَت ما تُريد؛ إذ الأغلبية المقاطِعة للانتخابات الأخيرة التي جرت عام 2018، هي التي تتظاهر اليوم، وهي التي يُمكن أن تُحدث التغيير مستقبلًا. ففي انتخابات سنة 2018، كان عددُ الذين حقَّ لهم الانتخاب 12 مليونًا تقريبًا، وفي سنة 2022 سيتضاعف العدد. ولنَنظر جيدًا: الرقم مهْما تَضاعَف، فإننا نمتلك 15 مليون شابٍّ وشابّة، وعلى أقلِّ تقدير سيُشارك ثُلث الـ15 مليونًا. هذا يعني أنَّ الناقمين/ات والمعارضين/ات للوضع الحالي، سيحصلون على عدد غير قليل من المقاعد.

هذه ليست تَمنِّيَات، هذه أرقام ستلعب دورًا كبيرًا إذا ما استُثمرت، وستلعب دورًا أكبر إذا ما أُهملت. فدُخول الانتخابات، فرصةٌ كبيرة لتفتيت جدران الفساد والمُحاصَصة وتحطيمِها، ولإصلاح مؤسَّسات الدولة. لكن، يبقى السؤال: هل يُمكن لمن ثار مَيدانيًّا، إدارة مؤسسات الدولة عند فوزِه بالانتخابات؟ وهل آليَّات العمل السياسي ذاتها، هي آليَّات العمل المَيداني؟ هذان سؤالان، يحتاجانِ إلى إجابات من داخل الساحات.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.