الرئيسية > رأي عام > مقالات > في أصل الحاجة إلى الدين
عبد الجبار الرفاعي (العراق)

في أصل الحاجة إلى الدين

الأربعاء ٢٠٢٠/٧/١٥م   |   ١٤٤١/١١/٢٥ هـ

الفقر في كينونة الكائن البشري، يدعوه -ما دام حيًّا- إلى طلب الكمال. والفقر أمرٌ وُجودي، إذ يعني أن الكمال الذي يطلبه الكائن فيه، لا بدّ أن يكون وجوديًّا، أي من جنسه هو أيضًا. ولمَّا كان أصل الحاجة وُجوديًّا، فهي تَضعف وتشتدّ عند البشر، تبعًا لمختلف العوامل الفاعلة والمؤثرة في حياة هذا الكائن (إثباتًا ونفيًا)، مضافًا إلى أنها تتنوع بتنوع طبائع البشر، وثقافاتهم وإثنيَّاتهم، والشفرات الوراثية لجيناتهم.

في ضوء ذلك يمكننا فهم تنوع الأديان وتعدُّدها، وأيضًا يمكننا أن نهتدي إلى معرفة وظيفة الدين في حياة الفرد والجماعة، وكيف يكون الدين تِرياقًا تسكن به الروح، ويطمئن به القلبُ، ويستفيق به العقل، عندما تتكرس وظيفتُه لتحقيق الكمال، وتحرير الكائن البشري من الاغتراب الوجودي؛ وكيف يكون الدين سمًّا مميتًا عندما ينسى وظيفتَه، وينشغل بالصراعات العنيفة على المال والثروة والسلطة.

الحاجة إلى الدين وُجودية بوصفها حاجةً إلى كينونة الكائن البشري. ولتوضيح الفكرة أكثر، أُشيرُ إلى أن الهوية الوجودية للكائن البشري هشَّة ضعيفة خاوية فقيرة بطبيعتها. لذلك، تظلُّ هذه الهوية تعيش قلقًا واغترابًا وُجوديًّا في هذا العالَم، وتفزع من هذا الاغتراب المُقيم الأبدي فيها، والمتغلغل في كل أبعاد كينونتها؛ إذ تَطلب بإلحاح حماية وأمْنًا يخلّصها من الاغتراب والقلق والهشاشة الوجودية. أمَّا مِن أين تنبع هذه الهشاشة، فهي رديفة لتكوين هذا الكائن وطبيعته البشرية، ومواجهتِها المريرة الأبدية للموت، بوصفه قدرًا حتميًّا يقضي على وجودها في الدنيا.

يظلُّ يغذّي هذه الهشاشة ويضاعفها، حضورُ الموت ومداهمتُه المُباغِتة للكائن البشري. ولا يُسعف الهويةَ الوجودية لهذا الكائن، أو يفيض عليها الأمنَ والطمأنينة والسكينة، إلا الاتصالُ بالوجود المطلق، الغني عن الكلِّ، المكتفي بذاته عن كلِّ شيء سواه، القادر على إفاضة وُجوده على كلِّ موجود فقير وإثرائه، بنحو يتسامى بالاتصال به الكائنُ البشري. فتَبلغ ذاتُه مرتبة كمال أو غِنًى، تُخفض كثيرًا قلقه واغترابه الوجودي، وتسمو -في حالات قليلة- بروحه، وتُصيّره في مقامات رفيعة.

الوجود المطلق، المستغني بذاته عن كلِّ شيء سواه، هو الله، أو الإله، أو الرب، أو الروح الكلِّي، أو روح العالَم، أو غير ذلك، بمختلف تسمياته المتنوعة بتنوع الأديان واللغات والثقافات والإثنيَّات. وأيضًا هو “الله” في الأديان الإبراهيمية، بتنوع تصوراته في اليهودية والمسيحية والإسلام، تبعًا للاختلاف في رسم صورة الله لدى فِرَقها اللاهوتية والكلامية.

تختلف التسميات، وتتعارض تصوراتُ الآلهة في الأديان، بنحوٍ نقرأ فيه صورًا متضادّة للآلهة، لا يجمعها إلا القول بوجود مطلق غني بذاته، منه يَستلهم وُجودُ الكائن البشري المحدود الهشّ الضعيف، كثافةَ وُجوده وغناه. وهي كلُّها تُعبّر عن تلك الحاجة الوجودية العميقة، التي تَشِي بالقصور الذاتي لكينونة الكائن البشري، الذي يجعله ضحية اغترابٍ وُجوديّ مُنهِك، وظمأٍ أنطولوجي لا يرتوي إلا بالاتصال بوجود كامل مطلق. والاتصالُ الذي أعنيه هنا، هو ضربٌ من الاتصال الوجودي.

أمّا التفسيرات التي تذهب إلى أن أصل وجود الدين، هو الجهل والخوف والفقر والصراع الطبقي، فلا أرفُضها ابتداءً، بل ما أرفُضه من هذه التفسيرات، هو أنها لا تُقدِّم لنا تفسيرًا لأصل الحاجة إلى الدين وراء كل ذلك، وللجذور البعيدة المتوغلة في الطبيعة البشرية للدين، خارجَ الإطار الاجتماعي. أمّا الجهل والخوف والفقر والصراع الطبقي، فعَوامل تُعزّز الحاجة إلى الدين، وترسِّخ حضوره وتُضخِّمه بشكل يمكن استغلاله، ليُميت الوعي ويُشلُّ الحياة. ويمكن استثمارها بخبثٍ لاستعباد العقل والروح والقلب، وتَحقُّقِ الدين في حياة الفرد، وحضورِه في المجتمع بأسوأ أشكاله.

وقوفُ هذه التفسيرات عند تَمثّلات الدين في حياة الفرد والجماعة، أوقَعَها في أُحادية واختزال، يَحجبان الأصل الوجودي للحاجة إلى الدين، في كينونة الكائن البشري. إن الحاجة إلى الدين، مختبئة في أعماق الطبيعة البشرية. ولو لم تكن هناك حاجة إلى الدين، ما أَمْكن لهذه العوامل أن توجدها من عدم. أيضًا لا أنفي أن تَمثّلات الدين، تَخضع في الواقع لعوامل الخوف والجهل والفقر والصراع الطبقي، وبسببها يمكن أن يُستغلَّ الدين ويتحقق بأشكال بائسة. ثم إن كلَّ ذلك، تُوظِّفه وتستثمره بأشكال مأساوية، مختلفُ المعتقدات والأيديولوجيات والهويات، في النزاعات والحروب وكلِّ أنواع الشرّ.

مع قبولي لكلِّ ذلك، أرى أن الكائن البشري -حتى لو افترضنا اختفاء الجهل والخوف والفقر والصراع الطبقي من حياته كلِّيًّا-، يظلّ في حاجة إلى الدين، بوصف أصل هذه الحاجة ناتجًا من سبب عميق وراءَ كلِّ ذلك، وأعني به فقر الكينونة الوجودية للكائنِ البشري، بالمعنى الفلسفي للكينونة الوجودية، وليس بالمعنى السيكولوجي، أو السوسيولوجي، أو الأنثروبولوجي.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.