الرئيسية > رأي عام > مقالات > في الدِّين والسَّفر عبر الزمن
نايلا طبارة (لبنان)

في الدِّين والسَّفر عبر الزمن

الخميس ٢٠١٩/٦/٠٦م   |   ١٤٤٠/١٠/٣ هـ

عندما يؤْمن أحدُهم/إحداهُنّ بديانة ما، وبشكل خاصّ بِدِين من الأديان المَعلوم مؤسِّسُها وزمن تأسيسها؛ تَحصل في الوهلة الأولى عملية عجيبة، وهي القدرة على السَّفر في الزمن، لا مِن خلال آلة خارقة، ولكنْ من خلال قوّة الانجذاب الرمزي إلى الزمن الأول للديانة، زمن التأسيس. فكأنَّ المؤْمن(ة) يُسْحب من زمنه(ها) الحاليّ إلى الزمن الأول، ليعيش لحظاته القوية برموزه للحياة الروحية، ويُشْعِر نفسَه(ها) بحضرة كاريزما المؤسِّس، ويَشْعُر بشعور المؤمنين/ات الأوائل، ويعيش الأحداث التي واكبَت مسيرتهم/نَّ الإيمانية والحياتية، ويمتلئ بمَعانٍ تُنير حياته(ها) الحاضرة معنًى ومَغزًى. فترتفع الحياة من مجرّد يوميات، إلى أحداث لها أبعاد أعمَق وأسمى.

أتحدّثُ هنا بشكل خاصّ، بعملية الوعي بالإيمان. فكم من شخص وُلد على دينٍ ما، إلَّا أنه(ها) عاش الدِّينَ المَوروث كطقوس وعادات وانتماء، إلى أن واجهَ لحظة حاسمة، قرّر فيها فعليًّا التشبُّث بالإيمان والولوج الفعلي في الدِّين وعالمه، والنَّهَل من جميع أرزاقه الروحية والمعنوية. فتَحصل هنا عملية السفر عبر الزمن.

إسلاميًّا، بعد لحظة كهذه، يجد المؤمنون والمؤمنات أنفسهم مسافرين، من القرن الواحد والعشرين إلى القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، ويعيشون حياتهم في ضوء أحداث الجماعة الأولى. فإنْ وقَع على المؤمن(ة) اضطهاد، يتذكر اضطهاد المسلمين/ات الأوائل في مكّة، وإنْ تَوفَّقَ في صُلح يتذكر صُلح الحُدَيْبِيَة، والانتصار يذكِّر بفتح مكّة، وفقدان الأحبّة بعام الأحزان، والإنكار بحادثة الطائف… وهكذا، يمتلئ المؤمنون والمؤمنات رموزًا وأحداثًا، تساعدهم في حياتهم اليومية.

 إلّا أنه إنْ جرى الوقوف عندها، فقد يَحبس المُؤْمن(ة) نفسه(ها) في الزمن الأول؛ فيُصبح وكأنه يعيش في الزمن الأول، إلّا أنَّ جسَدَه(ها) في الزمن الحاليّ، كأنه شبح لا صلة له بالواقع الحاليّ. فبدَلَ المَددِ الروحي الذي يعطيه السَّفر الزمني الرمزي، بإنعاش الروح ومواساة القلب على الصعيد الفردي، ينقلب الوضع إلى انفصام وانفصال عن الواقع، لا سيّما إنْ تحوَّلَت قراءة أحداث الحاضر في ضوء الماضي، إلى منظومة نقرأ بها ليس فقط حياتنا الشخصية، بل الحياة الجماعية والأحداث السياسية والجيوسياسية الحاضرة. وأيضًا تنقلب حينئذ عملية السفر عبر الزمن، مِن عملية رمزية ذات بُعد إيماني روحي فردي، إلى عملية إيديولوجية تقرأ الحاضر بـ”نَظَّارة” الماضي، وتُحاول فرض تلك النظرة على الإنسان والمكان.

ينبغي للمؤمن(ة) إذًا تَعلُّم السفر عبر الزمن، ذهابًا وإيابًا، لا ذهابًا فقط. أي أن التحدِّي هو في أن يَنْهل المؤمنون/ات من رموز الماضي القيَمَ والعِبَر والقوّة، للعيش في زمنها، لا أنْ يكُونوا منفصلين عن الماضي كأنهم أشباح. فالنبيُّ والمؤمنون والمؤمنات الأوائل عاشوا في قلب حاضرهم، وكانت قصص الأنبياء والأمم السابقة، تُقوّي إيمانهم وعزيمتهم على العيش في الحاضر، ومواجهة مشاكله ومحاولة إصلاحه. فلم يحاولوا تطبيق منظومة قديمة باستجلاب أمثلة الماضي؛ إذ إنهم كانوا يَعْلمون أنَّ لكلِّ نبيٍّ وقَومِه سِياقَهم وتحدِّياتهم، بل إنهم نهَلُوا من قصص الأنبياء السُّلْوَانَ والمَدد المعنوي، ليستمدُّوا الصبر والقوّة لحياتهم الحاضرة.

أيضًا لم يَلبس ويتكلم ويتصرف الصحابة والمسلمون/ات الأوائل، مِثل أبيهم إبراهيم وأتباعه، مع أنه قدوة للمؤمنين/ات. كذلك لا يُفترض فينا أن نَلبس ونتكلم ونزيِّن أنفسنا، مِثلما كان يفعل الصحابة. فلكلِّ زمنٍ، زِيُّه ولغته وأحداثه وأوضاعه. لكن، تبقى القيم من: صبر وعزيمة وكظم الغيظ وإصلاح وقسط وعدل وتضامن، ممّا تَحلّى به المؤمنون والمؤمنات الأوائل، أُسوَةً لنا.

مع أن قوة الإيمان قد تَسحبنا إلى الماضي، إلّا أنَّ مَن نقتدي بهم في الماضي، يؤكِّدون لنا أنه علينا أن نعُود إلى حاضرنا، لا أن نعيش في زمانهم.

إذًا، الدعوة هي إلى السفر إلى الماضي، ثم العودة إلى الحاضر، بمخزون روحيٍّ ورمزيٍّ من الماضي. وقد يكُون السفر والعودة عمليّة متكرّرة، بحسب الحاجة والأحداث الحياتية الفردية. وتأتي هنا فكرة الأعياد الدينية لتؤكِّد هذه العمليّة. فالعيد هو خَرْق الحاضر بلحظة من الماضي، يُعاد تَذكارها سنويًّا من قِبَل الجماعة الدينية. فيُسمُّونه عِيدًا لأنه يُعاد، ويُعيد إلى أذهان الجماعة ذكرى الزمن الأول وطُقوسَه كلّ عام. ومِن ثَمَّ يَدعونا مفهوم العيد إلى العيش في الحاضر، فاسحين المجال للقليل من الماضي في بعض أيام السنة، ليَملَأ الحاضر. أمّا إنْ عشنا طَوال أيام السنة في الماضي، فينتفي مفهوم العيد.

لكي نعيش أعيادًا متكرِّرة جماعيّة وفردية، علينا أن نتعلّم أن نَنهل من الماضي القِيَم والقوة الروحية والمعنوية، دون أن نَحبس أنفسنا في أنظمته ومنظوماته، بل علينا تَعلُّم السفر عبر الزمن ذهابًا وإيابًا.

كلّ عام وأنتم بخير.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.