الرئيسية > رأي عام > مقالات > في اليمن شموع وحرب
أحمد ناجي (اليمن)

في اليمن شموع وحرب

الأربعاء ٢٠١٨/١٠/٢٤م   |   ١٤٤٠/٢/١٤ هـ

في مدينة “تعز” وسط اليمن، قرّر عادل أن يحوِّل منزله إلى مدرسة لتلاميذ منطقته. فبسبب المعارك الدائرة في المدينة، امتدت المواجهات العسكرية إلى الحي الذي توجد فيه مدرسة المنطقة، وأصبحت على خطوط النار. كان التلاميذ على وَشْك أن يُحرموا فرصةَ التعليم، لكنّ عادلًا فتح منزله، الذي ما زال قيد الإنشاء، ليكون بديلًا لمدرسة المنطقة. أصبحت غرف المنزل حجرات دراسية لـ 700 تلميذ، يُقدَّم فيها التعليم لكل المراحل الدراسية. وعلى الرغم من انقطاع المُرتَّبات الشهرية للمعلمين في معظم مناطق اليمن، فقد استطاع عادل إقناع مجموعة من خرِّيجي الجامعة والخرِّيجات، بالتطوع للتدريس في المدرسة. وبنفس الهمّة والعزيمة، واصل عادل وفريقه من المتطوعين، تقديم الدروس المجّانية للطلاب ثلاثة أعوام على التوالي، محاولين كسر قيود الحرب حسب ما يستطيعون.

كأسْوَأ بلد نخرَتْه الحرب، يعيش اليمن أوضاعه الصعبة. فانعكاسات الصراع طالت كلَّ مناحي الحياة، وصُنِّفت مأساتُه كأكبر كارثة إنسانية في القرن الأخير، حيث بات اليمن موسومًا بالمجاعة والصراع والموت وغيرها من الكوارث. قد تبدو تفاصيل المأساة مخيفة جدًّا، والأرقام القادمة من زاويا البلد تحمل عناوين لكوارث أسوأ من بعضها. لكن في المقابل، مِن وسط كومة هذه الأرقام، بل من داخلها بالتحديد، تظهر العديد من المبادرات التي تحاول إخماد شيء من سعير الحرب.

في ظلِّ هذا الوضع، هناك آلاف القصص التي لا تظهر في نشرات الأخبار، قصص مختلفة بعض الشيء مع بساطتها، والقليل فقط يدرك أهميتها للحاضر والمستقبل. فبينما تُظهر الإحصاءات أن 5 ملايين طفل يمني يعانون شبح المجاعة، يقف في الداخل اليمني مجموعة من اليمنيِّين بإمكانياتهم البسيطة، وجهًا لوجه أمام غول هذا الرقم، محاولين أن يكُونوا رقمًا بعد علامة طرح، لإنقاص رقم المأساة هذا، من خلال مبادرات تهدف إلى تخفيف وطأة الجوع، ونشر فائض الطعام من بيوت الأُسَر الميسورة، إلى المُعدِمين والمحتاجين.

على نفس المنوال، وأمام رقم آخر، يقف مبادرون آخرون كأسوار، أمام سيل الجهل الذي جلبته الحرب، وبات يهدد حوالي 3 ملايين طالب يمني بحرمان التعليم، فيقاومونه من خلال تقديم الدروس التطوعية، أو توزيع الكتب الدراسية، أو نشر الفرص التعليمية. ومع كل رقم مأساة في مدن اليمن وقراه، هناك إنسان يحاول رغم وطأة أوزار الحرب أن يعيش، أن يقاوم تحديات الصراع كلَّ يوم، وأن يساهم دون ضجيج في مد يد العون وفعل الخير.

قبل أكثر من عام، تعرَّفتُ إلى “جبران” الذي أسَّس مطبخًا خيريًّا لإطعام فقراء الحي الذي يقيم به. والتقيت بـ”وليد” الذي استطاع أن ينتشل عشرات الشباب من حالتَي العزلة والاكتئاب، اللّتَين سبَّبتهما الحرب، بإقامته ناديًا مصغَّرًا لمشاركة الأفلام، وعقد جلسات نقاشية حولها. في العديد من المناطق اليمنية، وجدتُ الكثير من الشباب رغم الحرب يقرأون، رغم الحرب يعزفون، رغم الحرب يتعلمون، حتى وإن كانت فصول مدراسهم بلا أسقف. وفي أكثر المحافظات فقرًا، استطاع مجموعة من الناشطين –وما زالوا -تسيير قوافل إغاثيّة وطبِّيّة، ساهمت بشكل فاعل في مساعدة الآلاف من القاطنين بهذه المناطق. وأيضًا أطلق مجموعة من الطلاب اليمنيِّين في الداخل والخارج، مبادرات لمشاركة الفرص التعليمية والمنح الدراسية، والدروس الإلكترونية، تُفيد كلَّ يوم مئات الطلاب.

لقد كان لافِتًا كيف بادرت الكثير من الفئات في المجتمع، إلى التخفيف من هذا الوضع. فهناك بعض المطاعم استحدثت أبوابًا خلفية لإطعام المحتاجين، وأخرى وضعت خزانات للأطعمة في الشوارع، لمن لا يملك النقود. وأيضًا لم يكن الأمر حكرًا على الميسورين فقط. ففي إحدى المناطق اليمنية النائية، استطاعت مجموعة من الأطفال التوفير من مصروفهم الشخصي، لشراء لوح السولار (الطاقة الشمسية)، لكي يضيئوا ليل الحيّ الذي حلَّ به الظلام عَامين، واحتفلوا رغم الحرب بمصباح عمود الكهرباء الذي ملأوه بالنور.

يدرك الجميع أن كارثة الحرب تفُوق قدرة المجتمع، وأنها قد أنهكت كلَّ شيء في البلد. لكن هذه الأعمال والمبادرات البسيطة والعفوية تبدو كجسر عبور، من اليأس إلى الأمل، ومن أخبار الموت إلى أخبار الحياة. فاليمن ليس قرينة حرب، إنه بلد يحوي 29 مليون إنسان، يقاومون الموت، ويناضلون من أجل الحياة، وفيه أيضًا آلاف القصص والمبادرات، التي يحاول أصحابها أن يكونوا أضواء شموع في ظلام الحرب.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.