أمل الحارثي (الأردن)

في عيد الحُبِّ

الخميس ٢٠١٩/٢/١٤م   |   ١٤٤٠/٦/٩ هـ

كَامْرأة، لا أجد حَرجًا في توزيع ابتساماتي، وأنا أمشي في الشوارع في بلاد الله الواسعة. قد يَفتح لي رجلٌ الباب فأشكُره وأبتسم، وقد أطلب المساعدة مِن أحد الرُّكّاب في محطّة القطار، بأدب معَ ابتسامة شكر. لا أرى أجمل مِن الابتسامة كتعبير عن الشكر، أو الرغبة في الخير والسَّلام. الابتسامة في وجوه المارّين تَذْكرة عبور إلى الطُّمَأنينة والترحيب، لا يختلف معناها إنْ وهَبْتها لرجل، أو لامرأة، أو لطفل.

أمّا تلك المرأة التي تُوزّع ابتساماتها في شوارع بريطانيا أو فرنسا مثلًا، فقد تجدها مُتجهِّمة في شوارع أغلب البلدان العربيّة؛ لا رغبةً في التَّجهُّم، ولكنْ خوفًا مِن توزيع رسائل مغلوطة، قد يعتبرها الرجل “كَرْتًا” أبيض للدخول معها في حوار، أو فتح أبواب هي في غنًى عنها.

في عيد الحبِّ، أذْكُر أن العلاقة بين المرأة والرجل في عالمنا العربيّ، ما زالت مرتبكة وشائكة، يَحكمها خليطٌ مِن الحاضر والماضي، ويشوِّهها سوء الظن والاعتقادات المُسبقة المغلوطة؛ ما فرضَ بعضًا مِن الازدواجيّة في حياة كلّ منهما، وخصوصًا الرجل الذي يُعطيه المجتمع حرّيّة الحركة، دون أنْ ينبِّهه على ما قد يُؤثّر في حياته مستقبلًا، بعكس المرأة التي لا تملك هذه الرَّفاهيَة. فالرجل قد يعيش حياة منفتحة حرّة على الصعيد الشخصيّ، في حين يَظهر الجزء المخفيّ المتجذّر الرافض للانفتاح، عندما يتعلّق الأمر بحياة النساء القريبات منه، أو باختياراته عندما يتعلّق الأمر بالزواج وبناء أسرة؛ ما يجعل المرأة المُتعامِلة معه تَشعُر بعدم الارتياح، وتتصرّف بحذر شديد.

لا أُريد أنْ أَسقُطَ في فخّ التعميم؛ إذْ أُدرك أنْ ليس كلّ الرجال يحملون الأفكار نفسها. ولكنّ المُتابِع لوسائل التَّواصل الاجتماعيّ، يَشعر بهذا الشرخ في المفاهيم بشكل واضح، والصدمات المتلاحقة بسبب آراء الكثير من الرجال. فعندما يتعلّق الأمر بنظرتهم إلى المرأة، لا يمكن تجنُّبُها، والتعامل معَ الرجل براحة.

لا أعرف كيف تستطيع فتاةٌ تُرافِق رجُلًا، لشرب فنجان قهوة في مكان عامٍّ بهدف التعارف، وهي تَعلم مقدَّمًا أنّه يرفض الأمر ذاته لأخته مثلًا، بل ويُعبّر عن هذا الرفض بكلّ صراحة، وكأنّه يُخبرها سَلَفًا أنّ هذا الفعل شائنٌ، ومَن تفعله هي امرأةٌ سيّئة. إنّ أيّ امرأة لديها أساسيّات حفظ الكرامة، لن تَقْبل التعامل معَ رجل ينظر إليها مقدَّمًا نظرة مشبوهة، ويفسّر تصرّفاتها البريئة بسوء ظنّ، معتمدًا على قواعد ورثها لا أساس لها مِن الصحّة، كأنْ يَحكم مثلًا على امرأة مِن خلال مظهرِها، أو أنْ يُوسِم تصرّفات معيّنة لها بصفات أبعدَ ما تكون عن الواقع.

اليوم، ونحن نحتفل بعيد الحبّ، فَلْنتذكَّرْ أن مُعدّلات الطلاق في العالم العربي ارتفعت بشكل غير مسبوق، يرافقها تشتُّتٌ لِأُسَر وأطفال. والسبب الرئيس في ذلك هو عدم الانسجام والتوافق، الذي يكتشفه الزوجان ما إِنْ تبدأ الحياة الفعليّة. عدم فَهم الآخَر واحتياجاته ورغباته وهواياته، وفقدان الحبّ؛ كلّ هذا يؤدِّي إلى علاقات مشوّهة، قد يمكن تجنُّبُها بالتعارف المبنيّ على النّيّة السليمة.

مِن حقِّ المرأة أنْ تَعرف كيف يُفكّر الرجل الذي تنوي إمضاء حياتها معه، ومِن حقّها رفض الأمر برُمّته منذ البداية قَبْل أنْ تُوسَم بلقب “مُطلَّقة”. ومِن حقِّ الاثنين أنْ يتعارفا في أجواء سليمة، لا يشوبها الخوف مِن عيون المُتربِّصين. ثم إنّ العلاقة بين الرجل والمرأة قد تأخذ أشكالًا كثيرة، منها: الصداقة والزمالة، وهي علاقة يسودها الاحترام المتبادل، بعيدًا عن التصنيف.

الحبُّ في بلادنا متَّهم بالرذيلة، حتى إن كان طاهرًا عفيفًا. تُغلق في وجهه الأبواب خوفًا على الشرف. يَخجل مِن ذِكره الناس، فيستبدله الأب أو الأستاذ أو الإعلامي بألفاظ أخرى للتمويه. فقد يقال “مودَّة” مثلًا، للدَّلالة على الحبِّ، أو يقال “احترام وتقدير”، أو أيُّ كلمة أخرى لتجنُّب هذَيْن الحرفَين، في حين لا يَخجل أحد من نشر الكراهيَة والطائفيّة، وهما اللّتان لم نَجْنِ منهما سوى الدمار والقتل والتشرد. فيُعبَّر عنهما بكلِّ صراحة، في المدارس والمناهج، وأحيانًا في دُور العبادة، حيث تُجيَّش الأجيال تلو الأجيال، وتُربَّى على مفاهيم التفرقة والعنصرية.

ما أحوَجنا اليوم، وفي أكثر من أيِّ وقت مضى، إلى إصلاح هذا الخلل في العلاقة بين الرجل والمرأة. ما أحوَجنا إلى التعبير عن الحبِّ، والاعتراف به كأساس للعلاقات بين البشر، وكعماد للأسرة السليمة. اليوم، وفي عيد الحبِّ، لِنُعلِنْها صراحةً بلا خجل: نريد أن نستقبل الحبَّ في حياتنا استقبالًا يليق به، نُدخله من الأبواب المُشْرَعة لا من الشبابيك الخلفية. نريد أن نستنشقه مع الهواء، أن نورِّثه لأطفالنا؛ فهو السبيل الوحيد إلى الخلاص.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.