الرئيسية > رأي عام > مقالات > قَناة غربيَّة لمواجهة “الإسلاموفوبيا”
مصطفى زهران (مصر)

قَناة غربيَّة لمواجهة “الإسلاموفوبيا”

الخميس ٢٠١٩/١٠/٣١م   |   ١٤٤١/٣/٣ هـ

شهِدَت السَّنواتُ الأخيرة بروزَ ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، كأحد أهمِّ إشكالات جدليَّة العلاقة بين الإسلام والمسلمين في المهجر، الَّذين اختاروا الغرب كمستقَرٍّ لهم ووطنٍ بديل، بعد هجرتهم من بلدانهم في الشَّرق، رغبةً في واقع مغاير ومختلف. وتُعدُّ هذه الظَّاهرة مُعوِّقًا رئيسًا أمام الاندماج المطلوب بين المُسْلم(ة) المُهاجِر(ة) من جهة، وبلدِه الأوروبِّيّ/الغربيّ (مَوطنه الجديد) من جهة أخرى.
إلّا أنّه يمكن النَّظر إلى ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، باعتبارها تُمثِّل في أحد جوانبها ردَّ فِعل لبروز التَّنظيمات الإسلاميَّة المتطرِّفة وممارَساتها الدَّمويَّة، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 حتَّى اللَّحظة، وفي أعقاب تَحوُّلاتهم الَّتي ظهرَت بشدَّة مع بروز تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة داعش. فاستقرَّ لدى الغرب إزاء ذلك وِجْهتان، أُولاهُما: الخوف من هذا الدِّين “الإسلام” نتيجة ممارسات تنظيمات إسلاميَّة متطرِّفة؛ والثَّانية: الخوف من تَمدُّد الإسلام كدِين مُنافِس، يبحث عن تَموضُع وتَرسُّخ يوازن وُجودَه في الشَّرق.
جملة التَّخوُّفات دفعَت ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، إلى أن تصبح مثار نقاش تعدَّى الأفراد والنُّخب إلى ما دون ذلك، ووصل إلى أقصى درجاته، في بحث أنظمة سياسيَّة في بلدان مشرقيَّة وإسلاميَّة عن حلٍّ لهذه الظاهرة؛ رغبةً في الحَؤُول دون تَصدُّرها بهذا الشَّكل، ورغبةً في إظهار هذه الأنظمة حاميةً للإسلام والمسلمين في الغرب. وهو ما أثار تساؤلات عدَّة، عن رغبة كلٍّ من تركيا وباكستان وماليزيا، في إطلاق قناة تلفزيونيَّة لمواجهة “الإسلاموفوبيا” في الغرب في هذا التَّوقيت بالذَّات، وعن كَونها تَحمل أهدافًا دينيَّة بَحْتة أمْ أنَّ رغبةً سياسيَّة تُغلِّفُها؛ وذلك لإعادة تَمَوضُع تلك الدُّول في خارطة المسلمين بالعالم، سواءٌ بالشَّرقِ كانوا أو بالغرب، على حدٍّ سَواء.
من نيويورك، وعلى غرار “بي بي سي” البريطانيَّة، ووَفْقًا لتوصيف “عمران خان” رئيس وزراء باكستان، اعتزمَت الدُّول الثَّلاث إطلاقَ الفضائيَّة باللُّغة الإنجليزيَّة، بهدف نشر ما تراه الإسلام الصَّحيح، ومواجهة “الإسلاموفوبيا” المتنامية في جميع أنحاء العالم، خاصَّة داخل الدُّول الغربيَّة. وتُمثِّل تركيا حَجر الزَّاوية في هذا المشروع، نظرًا إلى ما تمتلكه من قدرات تِقنيَّة كفيلة بإنجاح القناة، ووفْقًا للسَّفيرة التُّركيَّة لدى ماليزيا “مروة قواقجي”. وتأتى تصريحات رئيس دائرة الاتِّصال في الرِّئاسة التُّركيَّة “فخر الدِّين ألطون”، كاشفةً إلى حدٍّ بعيد، أنّ العمل لا يمكن النَّظر إليه باعتباره دعايةً سياسيّة وحسْب؛ إذ إنّه عملٌ ليس بالهيِّن، يستعدُّ للخروج إلى النُّور، لا سيّما وأنَّه -وفْقًا لألطون- سيُشكِّل مَركزًا قويًّا، وقناةً عالميّة للإعلام والاتِّصالات في الغرب، يجري تصميمها على أساسٍ رقميّ. وإزاء ذلك، ستقع على عاتق المشروع مواجهةُ العنصريِّين من الغربيِّين، الَّذين يقومون بتصوير الإسلام على اعتباره رُهابًا يجب التَّصدِّي له.
تسعى تركيا عبْر تعاونها الوثيق مع كلٍّ من ماليزيا وباكستان، لِلعب دورٍ هامٍّ، يمكن فهمُه في سياق التَّنافسيَّة القائمة في العالم السُّنِّيّ، متحيِّنةً الفرصة في ظلِّ ما يمكن رصدُه من تَحوُّلات هامَّة وجذريّة في البُنَى المجتمعيَّة، تَعيشها أخيرًا المملكة العربيَّة السُّعوديَّة. فتنتقل من خلالها كدولة “أصوليَّة” راعية وقائدة -بحُكم الجغرافيا والتَّاريخ- للعالَم السُّنِّيِّ إلى أخرى أكثر حداثيَّة، عن طريق تقديم نفسها كدولة ليبراليَّة –إن جاز الوصف-، مناقضة للتَّصوُّر الذِّهنيِّ لدى العالم، عن كونها دولة سلفيَّة وهَّابيَّة؛ ما ساهم بشكل أو بآخر في خلق فراغات عدَّة، تسعى دولٌ إسلاميَّة مشرقيَّة إلى أن تحلَّ محلَّها وتَلعب هذا الدور بقوَّة، عبْر الانتقال إلى مساحة مغايرة، انطلاقًا من الغرب هذه المرَّة.
لِإمكانيّة فهم سياق التَّنافسيَّة تلك، تجدر الإشارة إلى خطوات استباقيَّة، أقدَمَت عليها قَبْلًا دولةُ الإمارات العربيَّة، التي تحاول هي الأخرى بحسب مراقبين لعب دور في الغرب، بإنشاء مجلس حكماء المسلمين كمنصَّة إسلاميَّة عربيَّة، فُهمَت على اعتبار أنّها جاءت لمواجهة قوى الإسلام السِّياسيِّ هناك، في أشكاله المختلفة من جمعيَّات وتنظيمات مجتمعيَّة، ذات تأثير كبير وفعَّال في الجاليات العربيَّة هناك.
ممّا سبَق، نُدرك أن ثمَّة حالةً تنافسيَّة بين طرفَين أو قُطبَين، تُجسِّدهما دول إسلاميَّة تبحث عن تَموضُع مؤثِّر وجادٍّ، كمُمثِّل للحالة السُّنِّيَّة المترهِّلة في العالم العربيِّ ونظيره الغربيِّ، وينحصر بين تركيا والمملكة العربيَّة السُّعوديَّة من جهة، وأفكارٍ وأيديولوجيَّات متصارعة ممثَّلة بالأنظمة الخليجيَّة -وتحديدًا الإمارات العربيَّة- من جهة أخرى؛ وذلك لمواجهة قوى الإسلام السِّياسيِّ -وتحديدًا “الإخوان المسلمين”-، لا سيّما بعد موجات الربيع العربيِّ. وكلُّ ذلك يأتي تحت لافتة التَّوازن الإسلاميِّ في الغرب؛ ما يجعل “الإسلاموفوبيا” جزءًا لا يتجزأ، من مساحة التَّنافسيَّة بين كافَّة تلك الأطراف في جغرافيا الغرب.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.