الرئيسية > رأي عام > مقالات > كلمةٌ سَواءٌ في جزيرة العرب
خميس العدوي (عمان)

كلمةٌ سَواءٌ في جزيرة العرب

الخميس ٢٠١٩/٨/١٥م   |   ١٤٤٠/١٢/١٤ هـ

يأخذ التَّحديدُ الجغرافيُّ هنا لجزيرة العرب، وَصْفَها القديم. وهو الممتدُّ من بحر العرب في الجنوب الشَّرقيِّ، حتَّى حوض البحر الأبيض المتوسِّط في الشّمال الغربيِّ، بمعنى أنَّه يشمل بلدان الخليج العربيَّة واليمن والشَّام والعراق. وفي هذه الجزيرة، نبتَت الشَّجرة الإبراهيميَّة المنتسِبة إلى النَّبيِّ إبراهيم، برُكنَيها النَّسَبيِّ والدِّينيِّ. وهنا، لن أتكلَّم عن النَّسب الَّذي هو بأصله تَحزُّبٌ قبَليٌّ ليس عِرقيٌّ، والَّذي يتعانق بالضَّرورة الثَّقافيَّة مع الدِّين، هذا التَّعانق المشار إليه في القرآن بقول الله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. لذا، سيقتصر حديثي في ركن الدِّين.

قامت الأديان منذ النَّبيِّ إبراهيم في هذه المنطقة، على أساس أنَّ لهذا الوجود خالقًا واحدًا، لا شريك له، ووَحْدهُ مَن تَحقُّ عبادته. وقد أكَّدت كُتبها (التَّوراة والإنجيل والقرآن) ذلك، وأنَّ أنبياءها كانوا داعين إلى التَّوحيد. ولذلك، اعترف القرآن بها. قال الله: {إنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هادُوا والنَّصارى والصَّابئينَ من آمن باللَّه واليومِ الآخرِ وعملَ صالحًا فلهُمْ أَجْرُهمْ عند ربّهمْ ولا خوفٌ عليهِمْ ولَا همْ يحزَنُونَ}.

مِن هذه الأديان الأربعة الكبرى انبثقَت المذاهب. فلكلِّ دين مذاهبه، وقد تمظْهَرَت بحسب طبيعة الاجتماع البشريِّ ومُلابَسته، الَّذي ظهرَت فيه. ولو سألْتَ مفكِّري كلِّ دين أو مذهب، لأكَّدوا لك أنَّ دينهم أو مذهبهم قائم على توحيد الله. وهذه الرُّؤية ليست وليدة الحِقَب المتأخِّرة، نتيجةَ التَّثاقف والجدل الدِّينيِّ؛ وإنَّما هي رؤية متأصِّلة في الأديان. ولذلك، فإنَّ توحيد الله والعمل الصَّالح، هُما الأصل المشترَك بينها.

الجزيرة العربيَّة، لا تزال حتَّى اليوم تزخر بهذه الأديان ومذاهبها. فتجد في الشَّام المذاهب المسيحيَّة كالكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس بمختلف انتماءاتهم، وفي العراق تجد الصَّابئة والإيزيديَّة، وفي اليمن يوجد اليهود، وأيضًا يوجدون في الشَّام بطوائفهم المختلفة.

بالنِّسبة إلى الإسلام، فإنَّه ينتشر في جزيرة العرب، ويشكّل غالبيَّتها، ومذاهبه الرَّئيسة بفروعها موجودة فيها. فالشِّيعة الإماميَّة يتركّزون في البحرين والمنطقة الشرقيَّة من السُّعوديَّة، وفي الجنوب اللبنانيِّ. والإباضيَّة مركزهم في سلطنة عُمَان، والزَّيديَّة ينتشرون في الشِّقِّ الشّمالي من اليمن، والإسماعيليّة في مناطق من اليمن وفي جنوب السُّعوديَّة، والعَلَويُّون والدُّروز في سوريا ولبنان. أمَّا السُّنَّة، فبمذاهبهم الأربعة ينتشرون في مختلف مناطق الجزيرة العربيَّة، ويشكّلون شريحتها الوُسْعَى، حتى إن المعتزِلة الَّتي اندثرَت، فإنَّ معتقداتها باقية ضمْن عقائد الزَّيديَّة والإباضيَّة. وأمَّا الظَّاهريَّة، فيَحمل الفِقهانِ: الحَنْبليّ والإباضيّ، العديدَ من معالمها.

هكذا، نجد شجرةَ الدِّين الإبراهيميِّ الرَّاسخة جذورُها في جزيرة العرب؛ لا تزال يستظلُّ بأغصانها الوارفة سكَّانُ جزيرة العرب. ولو صحّت الرِّواية المنسوبة إلى النَّبيِّ محمَّد، بأنَّه ينبغي ألَّا يوجد دين آخر غير الإسلام في جزيرة العرب، لكان يعني بذلك –في نظري- المفهومَ العامَّ للإسلام، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصَّالح، والذي يؤكِّدهُ أتباعُ هذه الأديان، بغضِّ النَّظر عن الحُكم عليهم مِن غيرهم.

إنَّ حلَّ الإشكال بين فروع هذه الشَّجرة الإبراهيميَّة، في أحقِّيَّة تمثيل قضيَّة التَّوحيد الإلهيِّ، والَّتي تطوّرت عبر الزمن إلى حروب ومعارك تُذكِّيها السِّياسة، وتتجاذبها المصالح – لن يكون بمزيد من احتكار الحقيقة وإقصاء الآخر، ولن يتّبع بعضُ النَّاس ملَّة بعض، ولو حرصوا؛ وإنَّما يكون ذلك بالتَّداعي إلى حوار حول “كلمةٍ سَوَاء”، بحسب العبارة القرآنيَّة. قال الله: {قلْ يَا أَهْلَ الْكتابِ تعالَوْا إلَى كلمَةٍ سواءٍ بيْننَا وبيْنكُمْ ألَّا نعْبُدَ إلَّا اللَّهَ ولَا نُشْركَ بِهِ شيئًا}.

يسعى المؤمنون جميعًا إلى فهم بعضهم بعضًا، وتَفهُّم ما عند الآخر من رؤية حول توحيد الله والإيمان به، وإلى أن يلتقوا حول مائدة الأخلاق العظيمة؛ فهي الأَوْلى بالتَّبشير بها بين النَّاس. والأهمُّ من ذلك الدَّعوة إلى تجاوُز الحروب الطَّاحنة، الَّتي تُشعلها السِّياسة الدَّوليَّة، مُستغلَّةً هذا “الميراثَ الإبراهيميَّ” الرَّاسخ في أرض الجزيرة. وإنَّ مِن الوفاء للنَّبيِّ إبراهيم ولسلسلة الأنبياء من بعده، أن يتَّجه المنتسبون/ات إليه إلى حوار جادٍّ وحقيقيٍّ فيما بينهم/هنّ، في إطار تَجمُّع واحد، يُعرِّف فيه كلُّ فريق برؤيته للدِّين، الَّذي يتقرَّب به إلى الله.

لقد جاء الوقت لتكُون جزيرة العرب الَّتي تضمُّ حَرَم الله الآمن، مَوئلًا لأمْن المؤمنين/ات، ومنبعًا للسَّلام في العالمين. فلا يليق بأتباع النَّبيِّ إبراهيم والمنتسبين/ات إليه، أن يكُونوا هُم وَقُودُ الحرب في العالم، بل عليهم/هنّ أن يُمثّلوا العدل والرَّحمة والمحبَّة الإلهيَّة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.