الرئيسية > رأي عام > مقالات > كورونا التي علّمَتنا
وجدان بو عبدالله (تونس)

كورونا التي علّمَتنا

الإثنين ٢٠٢٠/٣/٢٣م   |   ١٤٤١/٧/٢٩ هـ

لا شيء يشبه ما عشناه في السابق. هكذا أُحدِّث نفسي، وأنا منزَوِية في البيت. أريد أن أُحدِّثكم بتلك الأمور الجميلة التي تَحدثُ لنا -مع الوضع الوَبائيِّ الذي يُفزع العالم- بعيدًا عن حالة الهلع. هناك دروس لَقَّنَتنا إيّاها كورونا، وما كنّا لِنتعلمها في أوقات الرخاء.

ظروف استثنائية نعيشها بسبب تَفشِّي كورونا، وأتمنَّى أن نتجاوزها قريبًا. لكنَّنا في الأثناء، ها نحن نُعِيد اكتشاف ذواتنا، ونُصغي بانتباه إلى الهاتف الذي في دواخلنا، وهو يَطلب منَّا أن نعتني بصحَّتنا، وأن نحمي أنفسنا ونحمي الآخرين بالابتعاد عنهم. فنُعِيد اكتشاف الجوانب الجميلة فيمَن نُحبّ، تلك الأمور الصغيرة التي كنَّا نمرُّ بها مُرورَ الكرام، ولا نتوقف عندها، وكأنها بديهية. فمثلًا: ضحكة أمي، وغمّازات الحبيب، وخطوات أخي على السُّلَّم، وصوت أختي وهي تضحك على الهاتف… كلُّ تلك التفاصيل تُصبح مهمَّة جدًّا، ولأجْلِها أدعو الله في خَلْوتي مساءً، ألَّا يَحرمني إيّاها.

شخصيًّا، أعدْتُ ترتيب حياتي في هذا الظرف، وأعدْتُ تصنيف الأوْلويَّات. فصِرتُ أصْحُو لأطمئنَّ على مَن أُحبّ، وأتَّصل بالأهل والأصدقاء والزملاء البعيدين/ات -بعْد أنْ فرَّقَتنا الحياة-، وأَعِدهم بشرب فنجان قهوة معهم، حالما تنتصر الإنسانية على هذا الوباء.

لقد أعدْتُ صياغة معنى “الأهمّ” في حياتي، وهو صحَّتي وصحَّة مَن حَولي، بل صحَّة الإنسانية. فقرَّرتُ أنْ أقضي تمامًا على سَطوة التوتر الذي يلتهم حياتي، والمَهامّ الصحفيّة الضاغطة، واللَّهْث وراء الزمن، وقرَّرتُ أنْ أتحكَّم فيها؛ ما يعني أنْ أُنْجز ما عليَّ، وأُنْهي يومي -وأنا في كامل صحتي- في حدود ما يُطيقه جسمي، ويَسمح به ذهني، حيث صار للمُمْكن حدود. فما نفْعُ الإجهاد إنْ كانت النهاية وشيكة؟ وما نفْعُ أنْ أُحمِّل جسدي ما لا طاقة له به، إنْ كان سيَهوِي بعد لحظات مِن فرط الإرهاق؟ ما كنتُ أعْلَم أن الجسد بهذا الوهن. فكان يكفي لفيروس -قالوا لنا في البداية إنه “يشْبِه الأنفلونزا”- أنْ يضرب مَناعتنا، حتى نَعِي جيِّدًا هشاشتنا.

صارت الحكومات تَطلب من شُعوبها البقاء في البيت، وأصبَح هجرُ المَكاتب واجبًا وطنيًّا بل إنسانيًّا، وقيمة العمل تغيَّرَت. فما عاد الوصول إلى المَكاتب والمَصانع في وقت معيّن، هو المقياس لتقييم الإنتاجية، بل صار إنجاز المَهامِّ عن بُعْد ودون إيذاء أحدٍ، عنوانًا للتَّحلِّي بالمسؤولية وإنقاذ البشرية. وصار التَّحكُّم في المَوارد الاستهلاكية رياضة يوميّة، وما عُدنا نحتاج إلى شراء مُستلزَمات الرَّفاهيَة، وصار الاقتصارُ على الحدِّ الأدنى منها واجبًا، بل القدرةُ على الاستغناء عنها مُمْكِنة جدًّا. وفي هذا مساواة متأخِّرة بين البشر.

تدريب النفس على كبْح جِماح النَّزَوات الاستهلاكية، والتَّحكُّم في رغباتها، ما كان مطروحًا قبْل هذه الجائحة. تلك المَشاهد التي كانت تغزو مواقع التواصل لِحُمَّى صُوَر “الفاشينستات” وهُنَّ يتبضَّعْن، ولصُوَر المشاهير في بيوتهم التي كالقصور، صارت تُشعرنا أكثر من أيِّ وقت مضى بالغثيان.

صار التضامن عملًا يوميًّا، لا مجرَّد نظرية متناهية المثالية. نتضامن عن بُعْد مع إيطاليا التي دَكَّها الوباء، ومع الصِّين التي انطلق منها الوباء، ومع تلك الدول -ومنها دُولُنا- التي لا تَملك بُنْية طبِّيّة متطوِّرة، ولا مُعَدَّات تَكفي المَرضى. فعلَّمَتنا هذه الجائحة أنْ نفكِّر أكثر في العابرين في حياتنا. فمثلًا: تلك الجارة التي لم تكُن تَعرف حتى اسمَها، ستُقدِّم لها من زادك، حين تُخبرك بأنها لم تجد الطحين في المَتاجر. ومَشاهد التكالب على شراء بعض البضائع، يُفترض فيها أن تَصدم الروح البشرية، وأن تدفعنا إلى الارتقاء بأنفسنا، حتى لا نموت ونحن نتدافع من أجل “ورق تواليت”.

علَّمَتنا كورونا أنَّ الإنسانية تُنادينا لنتكاتف، وأنَّ وقف الحروب أمرٌ ممكن، وأنَّ العِلم أهمُّ من الدَّبّابة والكلاشينكوف، وأنَّ الاستثمار في حُبّ البشر أهمُّ من الاستثمار في النِّزاعات، وأنَّ الرأسمالية المتوحِّشة هشَّة أمام المرض، بل كانت أكثرَها تَضرُّرًا، وأنَّ العلاج المجَّاني حقٌّ إنسانيٌّ، وستكُون نُدبةً في وجه البشرية لو حرَمْنا الإنسان هذا الحقّ. علَّمَتني كورونا أنّ الحياة جديرة بأنْ تستمرَّ، وأنها جميلة ومُمْكنة. سأفتح ذراعَيّ في هذه اللحظة، وأعِدُ نفسي بأنْ أعيش بشكل أفضل.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.