الرئيسية > رأي عام > مقالات > كيف أصبح الخليفة ظل الله في الأرض؟
مهند خورشيد (ألمانيا)

كيف أصبح الخليفة ظل الله في الأرض؟

الإثنين ٢٠٢٠/٩/١٤م   |   ١٤٤٢/١/٢٧ هـ

مِن المعلوم أن النبي عليه السلام قد فرَّق بين هُويَّته بصفته نبيًّا ورسولًا من جهة، وعملِه الإداري الدنيوي في تنظيم بعض شؤون المسلمين لا سيما في المدينة، من جهة أخرى. ويُمكن عَدُّ الحديثِ الشهير: “أنتم أعلمُ بأمور دنياكم”، أفضل شاهدٍ على هذا التفريق. أيضًا لم يختلف الأمر لدى الخلفاء الأوائل، حيث نظروا إلى أنفسهم على اعتبار أنّهم خلفاءُ النبي في وظيفته الإدارية الدنيوية، لا خلفاؤُه في التبليغ عن مراد السماء؛ إذ لا نبوة بعد موت محمد عليه السلام.

إن مفهوم الخِلافة سيبدأ بالتغير مع بداية الحُكم الأموي، حيث كان توظيف مقولة القدَر -على اعتبار أنَّ الخليفة قدَرُ الله ومراده-، عاملًا مُهمًّا في انتقال مصدر شرعية الخلافة من الأرض إلى السماء. وليس الأمر مقصورًا على الأمويين، إذ يتساوى في ذلك السنة والشيعة، وإن اختلفا في طُرق توظيف الدين لإعطاء الخليفة أو الإمام شرعية سماوية. وقد بلغ هذا الانزياح في مفهوم الخلافة أوْجَهُ إبَّان الخلافة العباسية، وذلك لأسباب عدة، مِن أهمها الأثر الساساني الفارسي، والبيزنطي المسيحي. إن دراسة هذا الأثر وتحليله مُهمّة، من أجل تفكيك مقولة شرْعَنة الحكم تحت مُسمى المقدَّس.

لقد احتكَّ المسلمون من كَثَب بالتُّراثَين السّاساني والبيزنطي، على إثر فتح بلاد فارس وبلاد الشام زمن خلافة عمر بن الخطاب. يهمنا هنا ما تَعلَّمه المسلمون من تلك الثقافات وما نقلوه عنها، فيما يتعلق بسؤال العلاقة بين السلطة والدين. فمِن أهم النصوص التي تُرجمت إلى العربية في وقت مُبكر، هي وصيّة أردشير الأول (مُؤسِّس المملكة الساسانية الفارسية) لِابْنِه شابور الأول، حين نصبه ملِكًا: “يا بُني، إن الدين والمُلك أخَوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه. فالدين أسُّ المُلك، والمُلك حارسه، وما لم يكن له أسٌّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع”.

لقد أسّس أردشير المملكة الساسانية بالتّحالف مع رجال الدّين، الذين قاموا بتعبئة الناس حوله. فلمَّا استتبَّ الأمر له نصَّب نفسه حارسًا للدين، ليضمن بقاء السلطة الدينية بِيَده، دون سواه من رجال الدين. لذلك، لا نستغرب حين نقرأ في وصايا أردشير تحذيرَه لأبنائه: “وإنَّ رأس ما أخاف عليكم، مُبادرة السفَلَة إيَّاكم إلى دراسة الدين وتِلاوته والتّفقُّه فيه… واعلموا أنَّه لم يجتمع رئيسٌ في الدين مُسِرٌّ ورئيسٌ في المُلك مُعْلِنٌ، في مملكة واحدة قطّ، إلَّا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في المُلك”. والسبب في ذلك أوضحه أردشير، بأن سلطة المَلك على أجساد الرعية، في حين أن سلطة رجل الدين على قلوبهم. فاجتماع السلطتَين في يد رجل واحد، سيُعطيه السيطرة على أجساد الناس وقلوبهم في ذات الوقت.

إن الحضور الكثيف للعنصر الفارسي زمن الخلافة العباسية، ساعَد على انتشار النصوص الساسانيَّة التي تُرجمت في فترة مبكرة إلى العربية، وزاد من هذا التأثير نظرةُ الإعجاب إلى الثقافة الفارسية الضاربة في العَراقة والقِدم. فنجد أن معظم مَن كتب عن الأحكام السلطانية وأدبيات الحُكم، كانوا من أصول فارسية أو على اتصال وثيق بالثقافة الفارسية، مثل: ابن المقفَّع، والجاحظ، وغيرهما كثير. فلم يعملوا فقط على ترجمة وصايا أردشير وغيره من ملوك الساسانيين، بل على أسْلَمَتِها أيضًا، حيث ألبسوها لباسًا دينيًّا إسلاميًّا. ولا يَخفى إعجاب الخلفاء العباسيِّين بنظريات الحُكم الساسانيّة، وكذلك البيزنطية، إذ جَعلتْ جميعُها من الحاكم ظِلًّا لله في الأرض.

من اللافت للانتباه تَحلِّي الخلفاء -خاصة العباسيّين-، بألقاب مضافة إلى الله، من قبيل: المنتصر بالله، والواثق بالله، والمعتصم بالله؛ بل إنَّ بعضها يُحيل إلى صفات الله مثل: الهادي والرشيد، وغيرهما. وليس اختيار مثل هذه الألقاب زمن العباسيين، تصرُّفًا عبثيًّا، إذ يُكرِّس اللقب تلك الفكرة التي تُقال همسًا، وهي أن تصرفات الخليفة مبارَكة من الله، وأنها نوع من تحقيق مراد الله. لذا، فإن كل نوع من المعارَضة السياسية، هو بطبيعته مُعارِض للإرادة الإلهية، ويُخرج صاحبَه من دائرة الإيمان.

إنْ علِمنا أن عصور التدوين التي كُتبتْ فيها أُمَّهات الكتب في شتى العلوم الدينية الإسلامية، هي تلك الحقبة التي تَحوَّل معها مفهومُ الخلافة مِن كَونه مَنوطًا بتنظيم الأمور الإدارية، إلى مفهوم أيديولوجي أضفَى على الحاكم صورة ظِلّ الله في الأرض – فسَنَعِي عظمة التحدي الذي نقف أمامه، حيث جرى التأسيس للعلوم الدينية، تحت ظرف سياسي وظَّف الدين بصورة مُكثَّفة في سبيل السلطة. لذا، لا نستغرب من أن مقولة “السلطان ظِلُّ الله في الأرض”، ظهرتْ بوصفها حديثًا نبويًّا في هذه الفترة، في مُحاولة لِأَسْلَمة الفكر الساساني الفارسي والبيزنطي المسيحي، حول تَصوُّر الحاكم.

فما تَبِعات هذا التطور السياسي الخطير في فهم الإسلام؟ هذا ما سنناقشه في المقالة القادمة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.