الرئيسية > رأي عام > مقالات > كيف نجت تونس بديمقراطيّتها؟
إقبال الغربي (تونس)

كيف نجت تونس بديمقراطيّتها؟

الثلاثاء ٢٠١٩/١٠/٠١م   |   ١٤٤١/٢/٢ هـ

أقرَّت كثير من المنظَّمات الدّوليّة، بسلامة عمليَّة الانتخابات الرَّئيسيّة الأخيرة في تونس. ويبدو أنَّ تونس نجَت بربيعها العربيِّ، إذ نجحت طبقَتَا الحكم والمجتمع المدنيِّ، في تَجاوُز التَّناقضات السِّياسيّة بالتَّسويات السِّلميّة والتَّوافقيّة، للحفاظ على مسار التَّحوُّل الدِّيمقراطيِّ، وفي إنجاز الانتخابات الرَّئيسيَّة الثَّالثة. ويَرجع هذا الاستثناء إلى خصوصيَّة الحالة التُّونسيّة، وتأثير العوامل الاجتماعيَّة والإثنيّة والسّيكولوجيّة في نفسيَّة الفرد. وهو ما يسمِّيه المختصُّون “الشَّخصيَّة القاعديّة”، أيِ السِّمات المشترَكة والهيئة النَّفسيّة الخاصَّة بمجتمعٍ ما، والَّتي تنعكس على نمط معيَّن من العيش.

مِن العوامل الَّتي نحتَت هذه الشَّخصيَّة الوسطيّة، نَذْكر:

1- العامل الأنثروبولوجيّ

إنّ الاعتدال والتَّسامح في أخلاقيّات شعبٍ ما، هما البديل عن الحرب الأهليَّة. والتَّسامح هو قبول الآخَر كما هو/هي، لا كما نريده نحن، أيْ دون إرغامه على التَّماهي مع الأنا، واحترامُ حرِّيَّته وإرادته. ويبدو أن سكَّان شواطئ تونس الممتدّة حوالي 1200 كم، قد تعلّموا من البحر الانفتاح على الآخَر، الذي لا حياة لهم بدونه. وهذا الآخَر بالنِّسبة إلى التُّونسيِّ، هو التَّاجر قديمًا، والسَّائح حديثًا.

إنَّ الاختلاط بالأجانب واكتشاف رحابة الغيريَّة، يعلِّم الإنسان النِّسبيَّة في إطلاق القيم. وهذه النِّسبية المعياريَّة، مَصدرها الاحتكاك بالآخَر ومقارنة الأنا به. فمقارنة معتقداتنا وعاداتنا وطقوسنا -الَّتي نظنُّ أنَّها فِطريَّة وكَونيَّة- بثقافة الآخر، تَجعلنا نتجاوز المركزيَّة الإثنيَّة، الَّتي كثيرًا ما تُنتج التَّعصُّب وكراهيَة الآخر.

2- العامل الجغرافيّ

التُّونسيُّون/ات في معظمهم سكَّان سهول، يدفعون الضَّرائب للدَّولة، ليس لديهم جبال أو صَحارٍ يلجؤون إليها، في حالة عصيانهم ومواجهتهم للسُّلطة المركزيَّة. وتاريخيًّا، بدا دافِعُ الضَّرائب معتدلًا في ردود أفعاله، وكلُّ ما يطلبه دافِعُ الضَّرائب، سواءٌ تاجرًا(ة) كان أو فلّاحًا(ة) أو موظَّفًا(ة)، هو العدل والاستقرار والأمن على النَّفس وعلى النَّفيس. ولذلك، كانت سمة سكَّان السُّهول دافعي الضَّرائب، الانضباط.

3- العامل الدِّينيّ

عرَفَت البلاد التُّونسيّة منذ بداية القرن التاسع عشر، بروزَ الاتِّجاه العقلانيِّ والمعتدل في الفكر الدِّينيِّ. فالإسلام المَقاصديُّ الَّذي طبع المدرسة المالكيَّة، والّذي نشرته “الزَّيتونة” في البلاد التُّونسيَّة، شكَّل عامل تحديث وتَسامح. وفي هذا السِّياق، أكَّدت الإرادة السِّياسيَّة منذ تلك الحقبة الإصلاح الدِّينيّ، ودعت إلى ضرورة التَّجديد والاجتهاد في الشَّريعة، وإلى توسيع مفهوم السِّياسة الشَّرعيَّة، بما يتلاءم مع مستلزمات العصر، وما يتناغم مع روح الإسلام. وشكَّل علماء “الزَّيتونة” أساسًا فقهيًّا، للعديد من الإصلاحات السِّياسيَّة والاجتماعيّة.

في هذا السِّياق، نَذْكر أنَّ العديد من الزَّيتونيِّين/ات انخرطوا في الحركة الإصلاحيَّة على امتداد قرن كامل، من أواسط القرن التَّاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين. وهذا ابتداءً من الشَّيخ محمَّد بيرم الأوَّل -الَّذي عرَّف السِّياسة الشَّرعيَّة بكَونها “ما كان فعلًا أقرب إلى الصَّلاح وأبعَدَ من الفساد، ولو لم يضَعْه الرَّسول ولا نزل به وحي”-، إلى المُصْلح الزَّيتونيِّ الطَّاهر الحدَّاد، صاحب كتاب “امرأتُنا في الدين وفي المجتمع”، والَّذي نادى منذ بداية الثَّلاثينيَّات من القرن الماضي، بضرورة منع تعدُّد الزَّوجات، واعتماد المساواة في الإرث بين المرأة والرَّجل.

لقد مكَّن هذا الاتِّجاه العقلانيُّ من:

  • تأصيل قرار إلغاء العبوديَّة سنة 1846.
  • صياغة عهد الأمان الذي صدر سنة 1859.
  • سنّ الدستور الَّذي فصَل بين السُّلطات سنة 1864.
  • صياغة مدوَّنة الأحوال الشَّخصيَّة سنة 1965، الَّتي منعت تعدُّد الزَّوجات، وحصرَت الطَّلاق في المحاكم، وقنَّنَت التَّبنِّي.

تُبرز هذه العوامل المتنوِّعة، أنَّ الاستثناء التُّونسيّ له جذور تاريخيَّة، ولكنه أيضًا نِتاج اختيارات مجتمعيَّة وإصلاحات دينيَّة، غلَّبَت العقل على النَّقل، والقراءة المَقاصديَّة على القراءة الحَرفيَّة للنُّصوص المقدَّسة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.