الرئيسية > رأي عام > مقالات > كُلْفَتا الحرب والسلام
أحمد ناجي (اليمن)

كُلْفَتا الحرب والسلام

الخميس ٢٠١٨/١٢/١٣م   |   ١٤٤٠/٤/٥ هـ

من خلال حديثي مع العديد من ممثِّلي الأطراف اليمنية، حول مواقفهم من هذه الحرب التي دمَّرت الجميع دون استثناء، ومع تبايُن وجهات النظر والآراء، إلّا أن هناك شبه إجماع من كلِّ الأطراف، على أن الحلَّ الأمثل لهذا الصراع، يجب أن يمرَّ عبر الاتفاقات السياسية التي تحافظ على حقوق الجميع في اليمن والإقليم، وتَبنِّي نظام عادل بعيد عن نظام الإقصاء والاستئثار بالقرار، حيث يدرك الجميع أن الاستمرار في طريق العنف المسلَّح، هو مقامرة مدمِّرة، يدفع فيها الجميع ثمنًا باهِظًا كلَّ يوم. لكن السؤال الذي تختلف في إجابته هذه الأطراف، هو: كم يجب أن يموت من الناس حتى تتحول هذه القناعات إلى مشروع سلام حقيقي، يحافظ على ما تَبقَّى من أمل للإنسان اليمني، ويُعِيد لليمنيِّين البسمة التي هجرتهم منذ زمن؟

لكي تقتنع الأطراف المنخرطة في الحرب بالتوقف عن هذا العبث، من المُهمّ التذكير بكلفة انتظار لحظة السلام. فبحسب مركز النزاع المسلح ومشروع تحليل بيانات الأحداث (ACLED)، فإن عدد القتلى اليمنيين منذ عام 2016 فقط، بلغ أكثر من 57000 شخص، هذا إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى. وتُقدِّر منظمة حماية الأطفال أن عدد الأطفال الذين ماتوا من جرَّاء الحرب وصل إلى 85000 طفل. أمّا الأمم المتحدة، فتتحدث بـ 20 مليون يمني، أي حوالي 80% من عدد السكان يواجهون شبح المجاعة، من بينهم 11 مليون طفل، في حين لا يستطيع حوالي 15 مليون إنسان الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، أي أن الكثير من أفراد المجتمع يصبحون عُرضة للموت لأسباب صحية يمكن تلافيها بسهولة. وبحسب اليونيسف، فإن حوالي 4 آلاف أمٍّ و23 ألف طفل حدِيثِي الولادة، ماتوا خلال العام الماضي. ثم إن هناك طفلًا يمنيًّا يموت كلَّ عشر دقائق. والسبب الأساسي هو غياب الرعاية الصحية.

إنَّ خسائر البُنْية التحتية التي خلَّفَتها الحرب، قد طالت كلَّ المنشَآت بلا استثناء، ومِن ضِمنها منازل المدنيين، والمدارس، والمستشفيات، والمطارات، ودُور العبادة، ومحطات الكهرباء والمياه، وغيرها من المُنشَآت الحيوية. ويُقدَّر حجم خسائر البُنْية التحتية بحسب مصادر محلِّيّة بـ 230 مليار دولار. ولا تتركَّز هذه الخسائر في منطقة واحدة، بل تمتد إلى الكثير من المدن والقرى اليمنية –وإن بنسب متفاوتة-. لكن جميع الأطراف يتأثرون من نتائج هذه الحرب. ثم إنّ المدنيين في كلِّ المناطق يدفعون الضريبة الكبرى خلال هذا الوقت الصعب. ومع طول أمد الصراع، تَظهر العديد من الكوارث العابرة للزمن، فتتوقَّف العملية التعليمية، وتُهاجر الكفاءات، وتُغادر المشاريع الاقتصادية. كلُّ ذلك يجعل التعافي من هذه الأزمة أمرًا بالغ الصعوبة.

هذه بعض الأرقام السريعة عن كلفة الحرب حتى الآن. ومع استمرار الصراع تستمر الأرقام في التضخم. في المقابل، تبدو كلفة السلام معاكسة تمامًا للأرقام المذكورة آنفًا. فالاستثمار في السِّلْم تجارة مربحة، قائمة على قاعدة: الكُلّ فائز، حتى الإنسان والأرض. فالخروج من نفق الحرب إلى واحة المصالحة، هو ممرٌّ إجباري لإيقاف كلِّ هذا العبث في اليمن. ولا يمكن أن يقدِّم أحدٌ مساعدة لليمنيين سوى أنفسهم، ولا تستطيع أيُّ قوة خارجية أن تُعِيد لليمن اسمه السعيد، إنْ لم يقف اليمنيُّون من أجل أنفسهم أوّلًا.

عشيَّة انطلاق مباحثات السلام بين الأطراف اليمنية الأسبوع الماضي، بعث رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد رسالة للأطراف اليمنية المجتمعة حاليًّا في السويد، تَحدَّث فيها بكلمات صادقة لخَّصَت ما يودُّ أن يقوله 29 مليون يمني لهذه الأطراف، وحملت في طياتها حلم اليمنيين، وحلم العالم الذي يود رؤية صور حقول البُنِّ والحياة، لا حقول الموت والدمار. قال آبي أحمد في رسالته إلى أطراف الصراع: “الحرب لا تأتي إلا بالدمار والخسران والخراب والضغائن والثأر، وتنشر الويلات وتبثُّ الفُرقة. فكيف إذا كانت بين أهل بيت واحد ووطن واحد؟ فهي تقطع العِرق والرحم والصلة والقرابة. تنشر البغضاء والحقد، ولا تأتي إلا بالخراب والتخلف. أيَّ يَمَنٍ تَنشُدون بالدمار الذي أصاب كلَّ ركن من أركان بلادكم؟ لماذا لا تُحكّمون العقل وأنتم مَن وُصفتم بالحكمة؟ لماذا تُعْلونَ لغة الحرب والقتال على لغة الحوار، وأنتم أصحاب الفصاحة؟ لماذا لا تتناقشون بالتي هي أحسن، تختلفون وتتفقون دون إراقة دماء أو حروب، تَجْمعكم المودة والألفة والمحبة ومصلحة الوطن الواحد، تُقدِّمون لأنفسكم ولأبنائكم وأهلكم مستقبلًا يقوم على العلم والمعرفة والتطور، تضعون خطط تَطوُّركم ومواكبة رَكْب الحضارة التي كنتم في صدارتها؟”.

نتمنى أن تجد هذه الكلمات آذانًا صاغية، تُنقذ الجميع من هاوية العنف، وتُعِيدنا إلى طريق السلام.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.