الرئيسية > رأي عام > مقالات > لا أحد يَملك الحقيقة
هالة فؤاد (مصر)

لا أحد يَملك الحقيقة

الأربعاء ٢٠١٩/٣/٠٦م   |   ١٤٤٠/٦/٢٩ هـ

يقول ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صُورةٍ       فمَرْعًى لغِزْلانٍ، ودَيْرٌ لرُهبانِ

وبـيـتٌ لأوثـانٍ وكـعـبـةُ طائِفٍ        وألواح توراةٍ ومُصْحفُ قُرآنِ

أَدِينُ بِدين الحُبِّ أنَّى توَجَّهَتْ       ركائبُه، فالدِّينُ دِيني وإيماني

حقيقةٌ وُجوديّة واحدة، وإنْ تَعدَّدت أوجُهُها أو تجلِّيَاتها، وكأنَّنا في قاعة للمرايا، مَركزها هو تلك الحقيقة الأصلية، التي كلَّما تلفَّتَت، انعكست صورتها مُتكشِّفةً عبْر إحدى تلك المرايا، والتي قد تتفاوت في الشكل ودرجة الصقل، ونوعية الانعكاس. لهذا، فإن ما نتلقَّاه من صُوَر، هو نِتاج تبايُنٍ واختلافٍ وتعدُّدٍ، لِأَشكال المرايا العاكسة وأحجامها وطبائعها، التي سرعان ما تتجاوز حدود الانعكاس السلبي، إلى مساحات التكشُّف المَعرفي والقِيميّ، بل والجمالي.

هكذا تتعدَّد الطرائق إلى الحقِّ أو الحقيقة، بتعدُّد الخلائق، أو المرايا والصور. إنَّ ابن عربي هنا يتحدث بصورة المعتَقَد، لا بالحقِّ ذاته، الذي لا يَعْلمه إلّا هو، ذلك الغيب الذي يستأثر به دون سواه. ذلك أنّ كلًّا منَّا يعبد صورة معتَقَدِه، الذي يعرفه وَفْقًا لحدوده الإدراكية واحتياجاته الإنسانية، ووفْقًا للحديث النبوي والمتداوَل لدى الصوفية: “مَن عرَف نفسَه عرَف ربَّه”. فكلٌّ منّا يعي اللهَ عبْر مِرآته الذاتية، ولا يَملك إلّا هذا، لأنّ أحدًا لا يستطيع معرفة حقيقة الذات الإلهية مطلَقًا وكُلِّيّةً.

يُشاع لدى المتصوِّفة عن أبي بكر الصديق، أنه قال: “إن العجز عن درك الإدراك إدراك”، أي أن لا سبيل إلى معرفة الله إلّا بالعجز عن معرفته. فما ثَمَّ إلَّا تصوُّراتنا عنه، وما ندعوه به من أسمائه الحُسنى، التي تعبِّر عن العلاقات التي تربطنا به، والتي تجسِّد احتياجاتنا منه، وتُجْلي آلامنا وآمالنا التي نعلِّقها عليه سبحانه. فمِنّا مَن يدعو الرحمن طلبًا للرحمة، والعادل طلبًا للعدل… إلخ. لكننا في النهاية، جميعنا ندعو الله عبْر أسمائه المتنوعة، ونَقصده من ورائها. فهي وسائطنا إليه! غير أن تلك الأسماء لا تجسِّد ماهيَّته الغيبيَّة، من وجهة نظر الصوفية، وما هي إلّا حدود المخلوقات الإدراكية والقِيميّة.

وَفْقًا لهذا، فإن الكلَّ يعبد الله عبْر صورة المعتقَد التي تُجْليها عقيدته. لكنَّنا جميعًا نعبده من وراء الصور والأسماء والأشكال. فما ثَمَّ سِواه موجودًا ومعبودًا. ولعلَّ ما يميِّز الكُمَّل من البشر كالأنبياء والأولياء، هو وعْيُهم المتجذِّر بتلك الحقيقة. لهذا، فإنهم وحْدَهم يعبدونه في كلِّ الصُّوَر، ويَعُونه مَوجودًا ومعبودًا وراء كلِّ الصُّوَر، أي إنهم يلتقطون الوَحْدة الأصلية وراء هذا التنوع الخلَّاق والمُدهش عقائديًّا وكَونيًّا، مَعرفيًّا وقِيميًّا. بعبارة أخرى، فإن الديانات جميعًا هي انعكاسات وتَكشُّفات متنوعة ومتباينة، لمَصدر واحد، هو المَصدر الإلهي أو الحقيقة الأصلية المطلَقة.

إنْ أردنا الخروج من ذلك الحيِّز الصُّوفي، إلى ما هو أكثر رحابة، فإن تلك الرؤية قد تُجلي لنا الطبيعة النسبية للمعرفة الإنسانية. فما ثَمَّ إنسان يستطيع الادِّعاء، أنه وَحْده مَن يمتلك الحقيقة مطلَقًا. فما نحن جميعًا إلّا كالعُميان والفِيل. فإنْ أدخَلْنا مجموعة من العُميان على فيل ضخم، ووضَع كلٌّ منهم يده على جزء من هذا الفيل، ثم سألناهم: “ما هو الفيل؟”؛ فسيتحدَّث كلٌّ منهم وَفْقًا لِما عايَن من الفيل بلمسة اليد.

إن المعرفة الإنسانية هنا، هي تعبير عن وجهة نظر تلتقط من الحقيقة ما يُمْكنها، أو ربَّما ما تستطيع إدراكه، أو ما يلائم ذوقها وقدرتها على الفهم والتمثُّل والوعي. فإنِ اقتنعنا بهذا، فإننا حينئذ يُمْكن أن نتفهَّم ونتقبَّل الآخر والاختلاف والتعدد والتباين. ولا أقول “نتسامح”، لأن ذلك قد يُومئ من طرَف خفيّ، إلى عُلوِّ قدْرِ المتسامِح على من يتسامح معه، سَواءٌ معرفيًّا أو قِيميًّا. وهو أمر مرفوض. فالكلُّ في الإمكانية المعرفية سَواء، والبشر يتكاملون معرفيًّا وقِيميًّا من أجل ازدهار الكون، وإقامة حياة إنسانية تحتفي بالحرية والكرامة الإنسانية، أو هذا هو المشتهَى المُحال.

لعلَّ هذا لا يمْكن أن يتحقق، إلَّا إنْ آمن البشر بضرورة نبذ ثقافة العنف والصِّدام، أو بعبارة أخرى: ضرورة صياغة نسَق قِيميٍّ جديد، يتحرَّر من قِيَم التنافس والقهر والقمع، والتفوُّق القائم على إخضاع الآخر أو إقصائه، وربَّما إبادته ونفيه من الوجود. فثَمَّ مُتَّسَع للجميع، إنْ آمنّا بالمساواة الحقَّة، والعدالة في توزيع مصادر المعرفة والقوة توزيعًا عادلًا يرتقي عبْره الجميع، ويتكاملون من خلاله من أجل ازدهار عالمٍ إنسانيّ، لا يتشدَّق فحسْب في حقوق الإنسان، ولكن يمارسها بحقٍّ وصدق وعدالة.

إنه عالَم نَحلم به جميعًا. تؤسَّس عبْره فضاءات الرحمة واللطف والحبّ، وتزدهر عبْر مراياه قيمة الإنسانية، بوصفها قيمةً تتجاوز حدود الثنائيات المقيّدة بكافة أنواعها وأشكالها، إلى فضاءات المخيِّلة الرَّحْبة، حيث الاحتمالات المتنوعة والمفتوحة، بل واللانهائية للتنوع البشري الخلّاق، الذي يحتفي بكلِّ أشكال الثقافة الإنسانية المدهشة، وممارساتها وتنويعاتها وتبايُناتها. فما ثَمَّ بدائيٌّ ومتحضِّر، وما ثَمّ عالِمٌ أوّل وثانٍ وثالث، وما ثَمّ ثقافة واحدة تطمس كلَّ الثقافات وتُهيمن على العالم بأسره؛ وإنما نحن أمام مشهد متَّسِع وثريٍّ، ومُتْرَع بزخم التنوع الثقافي والإنساني الخصب والبديع. فلماذا لا نَقْبل هذا، ونتفاعل معه، بل ونحتفي به؟!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.