فادي ضو (لبنان)

لا شكر لـكورونا

الخميس ٢٠٢٠/٣/٢٦م   |   ١٤٤١/٨/٢ هـ

صحيحٌ أنّ العصافير عادت هذه الأيام تُزَقزق في وُوهان (الصين)، وأنّه انقشع عن سماء بيروت وِشَاح التلوّث الأسود. فتَسابق الناس إلى الْتِقاط الصوَر لها من جبال لبنان، التي أصبحت خُضرتها تُحاكي زُرقة سماء العاصمة، وأنَّ السمك عاد يظهر مستمتعًا بالمياه، التي استعادت صفاءها في قنوات مدينة البُندقيَّة الشهيرة (إيطاليا).

إلَّا أنه صحيح أيضًا أنّ “عصافير بُطون الفقراء” تُزَقزق اليوم من خَوائها، واشتهائها لقمة عيش فقدوها بسبب تَوقُّف أعمالهم اليوميّة، التي كانت تؤمِّن لهم ولأولادهم القُوت اليومي. وصحيح أنّه تلبّدت الرؤية وضاق الأفق، لدى كثيرٍ من المسؤولين عن المؤسّسات التجارية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، الذين يخافون على انهيار مؤسّساتهم، وفقدان مئات من عُمّالهم وعاملاتهم لوظائفهم ومَصدر رزقهم، وهُم يَسعَون ليْلَ نهارَ لتأمين استمرارية مؤسّساتهم رغم الخسائر والتحديات القاسية. وصحيح أنّه اسْوَدّت قلوب الكثيرين/ات مُتَّشِحةً وِشاح الحزن والألم، ولم تَعُدْ صافيةً صفاء المحبة، وقد فقدوا أحبّاء لهم بسبب فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) القاتل، دون أنْ يستطيعوا مرافقتهم في لحظاتهم العصيبة في آخر ساعاتهم، ولا حتى تأمين دفنٍ لائق بهم وبكرامتهم.

مفهومٌ أنْ يَفرح بعضُهم بتنَفُّس الأرض، واستعادة البيئة لشيء من جمالها الأصيل ومن نضارتها، بَعْد “استراحتها” من نشاط الناس اليومي الذي يَترك آثاره فيها، مِن استباحةٍ للطبيعة وتلويثٍ للهواء والمياه. وقد اضطُرَّ الناس مرغَمين إلى وقف نشاطهم وحَجْر أنفسهم في منازلهم، خوفًا من هذا “العدوِّ الخفيِّ” الذي يفتك بهم. ولكن، كلّا وألْفُ كلّا. لا شُكْر لهذا الفيروس، ولا يمْكن اعتباره نعمةً، ولا انتقامًا مَشروعًا للطبيعة من مُغتصِبها الإنسان. فلا يجوز لنا بذريعة تَضامُننا مع الضَّحيَّة، أنْ نَقْبل تَحوُّلَها إلى عدوّ قاتل، ينتقم لذاته بقتل المعتدِي عليه وكلِّ مَن كان من أبناء “عشيرته” البشريّة.

في شُكْر بعضِنا لِلْكورونا، أو حتى في فرحِهم بنتائج غزوَتِه لنا، خيانةٌ للأبطال الحقيقيّين/ات المُسْعِفين/ات والممرِّضِين/ات والأطباء والطبيبات، الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية، ويُجهدون أنفسهم ليْلَ نهارَ في الدفاع عنّا، ويَحرِمون عائلاتهم وُجودَهم معهم، ويعرّضون حياتهم للخطر الشديد؛ إذ سقط منهم شهداءُ كثيرون/ات. وما أبشع الخيانة في ساحات المعركة.

صحيح أنّنا نريد أن تتنفّس الأرض وترتاح، وأنْ تعُود مياه القنوات والأنهر صافية، وأنْ نَسمع العصافير تُرنِّم أناشيد التسبيح لخالقها وتتعايش مع الإنسان بسلام، وأنْ نستمتع بنقاوة الهواء. لكن السبيل إلى ذلك، لا يكون بقتل الإنسان ونشاطه.

يقول الحديث الشريف: “انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”. وعندما سُئِل النبيّ: “كيف أنصُره ظالمًا؟” قال: “تَحجُزه (أيْ تمنعه) عن الظلم”. إنّ لفي هذا التعليم حكمةً تَصلح أن تكُون أساس منظومتنا القيميّة ومواقفنا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. فنصرة المظلوم لا تكُون بدعم الضحية في انتقامها من الظالم، بل بوقف الظلم عبْرَ ردع الظالم عن عمله المؤذي. فالتضامن مع الأرض، التي شوّهها الإنسان باستغلاله لها ولخيراتها بشكل أنانيّ، لا يكُون بالتهليل لسيناريو مُفترَض، لمعركة انتقامية تقوم بها الأرض عبْر هذا الفيروس القاتل.

في رسالته حول “العناية بالبيت المشترَك” (أيِ الأرض)، كتب البابا فرنسيس عام 2015 أنَّ: “بيتنا المشترك هو أيضًا كأخت لنا، نتشارك معها الوجود، وكأم جميلة تحتضننا بين ذراعيها… أختنا هذه تحتّج على الأذى الذي نلحقه بها، بسبب الاستعمال غير المسؤول وانتهاك الخيرات التي وضعها الله فيها. لقد نشأنا معتقدين أنّها مُلْكِيِّةٌ لنا وبأنّنا المسيطرون عليها ومباحٌ لنا نهبها”. وقد عَدّ البابا فرنسيس أنّ: العنف القاطن في القلب الإنساني المجروح بالخطيئة، يَظهر أيضًا من خلال أعراض المرض التي نلاحظها في التربة، وفي المياه، وفي الهواء، وفي الكائنات الحيّة.

اللّافِت في هذا النَّصّ، ربْطُ البابا ألَمَ الأرضِ بألَمِ الفقراء، ووعْيُه بأنّ الحلول الحقيقية لمسألة البيئة، لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية وتخفيف معاناة الإنسان. لذلك، يَشجب البابا فرنسيس موقف الذين: “يفكّرون انطلاقًا من رَفاهِة تَطوُّرٍ ونوعيّةِ حياةٍ، ليسَتَا في متناول معظم سكّان العالم”. فهذا النقص في الاتِّصال الحسّي وفي اللقاء، يُؤدّي بحسب قوله إلى: “تخدير الضّمير وتَجاهُل بعضٍ من الواقع عبْر تحاليل جزئية”؛ ما يُنتج -برأيي- خطابًا رومانسيًّا غيْرَ مُجْدٍ لمناصرة البيئة، ومُجحِفًا بحقّ البشريّة.

الموقف الصحيح اليوم، يَكمن في أنْ: “تُسمَع صرخةُ الأرض وصرخةُ الفقراء على حدِّ السَّواء” -باستعادة لهذه العبارة الجميلة للبابا فرنسيس-. والشكر ليس لـ”كورونا”، بل لكلِّ مناضل ومناضلة، يسعيان اليوم إلى وضع أُسُس لمقاربةٍ سياسيّة جديدة -نحن والأرض في أمسّ الحاجة إليها-، تَجمع بين التنمية البشرية والاقتصادية والإيكولوجية (البيئية). ثُمَّ وحْدَهُ النضال من أجل التنمية الشاملة والمستدامة، لا “التنظير الرومانسي” ولا العنف أو الانتقام، هو ما يُولّد السلام بين البشر، وبين الأرض والإنسان.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.