الرئيسية > رأي عام > مقالات > لماذا نَتمَتْرَس خلف تكفير الآخر؟
نايلا طبارة (لبنان)

لماذا نَتمَتْرَس خلف تكفير الآخر؟

الأربعاء ٢٠١٩/١/٠٩م   |   ١٤٤٠/٥/٣ هـ

شهد الأسبوع المنصرم قصّة النائبة في البرلمان اللبناني رولا طبش، التي حضَرت قدّاسًا مسيحيًّا، وتقدَّمَت إلى الكاهن وقت المناولة فباركها، ثم اضطُرَّت بعدها إلى الاعتذار إلى الله وإلى ذِكر التشهد مرّة ثانية، وكأنها كفرت، أو كأنَّ دارَ العبادة التي دخلَتْها دارُ كفر لا بيتٌ لله، أو كأنَّ المؤمنين المسيحيين الذين شاركَتهم في وقت صلاةٍ كفارٌ منافقون.
ردود الفعل هذه، من شريحة من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك من مؤسسات وتجمُّعات دينية، تُنْمي –بنظري- إلى شيء خطير في ذهنية بعض الشارع الإسلامي السُّنِّي، وكأنما هناك أزمة هُويّة تهتزُّ من أصلها، إنْ خرج أحدهم أو إحداهن عن المألوف ولو بعض الشيء، أو كأنّ وجودَ الآخر المختلف هو استهزاء بنا وكُفر.
منذ ثلاثة أشهر، استضافني موقع تعددية في حوار مشترَك مع الأب فادي ضو، ضمن برنامج “فينا نحكي دين”، وموضوعه نظرة المسيحية والإسلام إلى الأديان الأخرى. وقد تحدّثتُ فيه بدراستي المنشورة في كتاب “الرحابة الإلهية”، والتي برهنتُ فيها أن القرآن الكريم لا يسمّي أهل الكتاب كفّارًا، بل يسمّيهم أهل كتاب، أو يهودَ أو نصارى. وإن كان النص القرآني يقول إن النصارى كفروا عندما قالوا إن المسيح هو الله، فهو يصف هنا الاختلاف في العقيدة، ولكنه لا يُطْلق على عامّة المسيحيين واليهود وأهل الكتاب أبدًا تسمية كفّار أو مشركين؛ إذْ هاتان الكلمتان تُطْلقان على الجماعات الوثنية التي كانت تقاتل الأنبياء. إلّا أنّ الردود انهالت على الموقع حينها مؤكِّدة أن أهل الكِتاب “كفار ونُصّ”. بعض الردود كانت راقية مع اختلافها معي في الموقف، ولكن أكثر الردود كان فيها عنف غير واعٍ، وفي بعضها اتِّهام واضح بأنني مسسْتُ كرامة المسلمين ومكانة الدين الإسلامي، عندما حاولتُ التوضيح أن القرآن لا يَعتبر الكِتابِيَّ كافرًا.
ما استوقفني من هذه الردود، هو محاولة الدفاع عن الهويّة الدينية من خلال تكفير الآخر وتصويره بصورة سيئة. فهل أصبح وضعنا -نحن المسلمين- بهذا السوء؟ إننا لا نستطيع أن نُعرّف بأنفسنا إلّا مقارَنة بالآخر؛ إذْ لا يوجد عندنا شيءٌ نقوله عن أنفسنا، فنلجأ إلى تحطيم صورة الآخر لرفع صورتنا في أنفسنا! علينا أن نعترف بأننا نمرّ بأزمة هويّة، وبأنّ تصرُّفنا هذا ناتج من أزمة سوسيولوجية، تتَّخذ الدِّين غطاء لنَزَعات الإقصاء مِن أجل إثبات الذات.
في كتاب الرحابة الإلهية، أبحثُ كمسلمة عن قراءة جديدة لموقف الإسلام من الأديان الأخرى. لذلك، تناولتُ جميع الآيات التي تتكلّم عن الآخر بعين الاعتبار. ومن خلال قراءة سياقية جامعة، استطعت أن أستنبط -بحسب القرآن- أن التعددية الدينية إرادة إلهية (المائدة، الآية 48)، وأن إلهنا وإله أهل الكتاب واحد (العنكبوت، الآية 46)، وأن الخلاص ليس مسألة هُويّة، بل مسألة إيمان وأعمال، وأنه يشمل أهل الكتاب وكلّ من آمن وعمل صالحًا (النساء: الآيتان 123-124، والبقرة: الآية 62، والمائدة: الآية 69)، وأن الآيات التي تتحدّث بعدم الثقة بأهل الكتاب أو بالقتال معهم، نزَلَت بمناسبة توصيف سياق المعارك آنذاك في الفترة المدنية إلّا أن هذا السياق تَغيّر بعد فتح مكّة والدعوة إلى الانفتاح (الحجرات، الآية 13)، والدعوة إلى العيش مع أهل الكتاب والزواج منهم والأكل من طعامهم (المائدة، الآية 5). فكيف يسمح القرآن بذلك إنْ كانوا كفَّارًا؟!
كم كان أسفي عندما أدركتُ أن الأكثرية لا تريد الانتباه لذلك. فهي مرتاحة إلى الفهم بالمعنى الحصري لقوله تعالى {إنَّ الدّينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ} [آل عمران: 19]، لا بالمعنى القرآني الشامل غير المحصور بهوية دينية محددة، والذي تُعبّر عنه هذه الآية: {ومن أحسنُ دينًا ممَّن أسلمَ وجههُ للَّه وهو محسنٌ} [النساء: 125]. فهؤلاء يَنسخون بهذا الفهم، وبآية السيف المُخرَجة من سياقها، الآيات التي تدعو إلى الانفتاح والتعددية. فبدَل أن تُحرّكنا الحاجة نحو بِرِّ الآخرين فعليًّا لا صوريًّا، للبحث عن مجالات الاعتراف بهم، وبالتنوع من داخل ديننا، يتجه معظمنا إلى الإقصاء لتبرير وجود ذواتهم. وقد يكون هذا دليلًا على عدم الثقة بالذات، لدرجة تجعل من الاعتراف بالآخر واحترام مساره الإيماني، تهديدًا للذات وللكيان وللمنظومة الدينية كَكُلّ.
إن موقف التعدّدية الدينية، وهو الموقف الذي يعترف فيه صاحب الموقف بديانته كأفضل ديانة، ولكنه في نفس الوقت يحاول الاعتراف بالأديان الأخرى كسُبل خلاص آتية من عند الله؛ ليس موقفًا مَبنيًّا على مداهنات وتمثيل لنيل إعجاب الآخر، ولا موقفًا يُنْمي إلى اللّاثِقَة بما لديه، بل هو موقف الذين لا يفرِّقون دينَهم شِيَعًا ولا يَدخلون في تجاذبات كلّ حِزْب بما لديهم فرِحُون (الروم، الآية 32). هو موقف واثق بالرسالة الإلهية، ومُؤْمِن بالتعددية كهِبَة إلهية تُغني مجتمعاتنا، لا كواقِعٍ يُهدِّد وجودنا.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.