الرئيسية > رأي عام > مقالات > محاربة العنف ضد المرأة
أمل الحارثي (الأردن)

محاربة العنف ضد المرأة

الأربعاء ٢٠٢٠/١١/٠٤م   |   ١٤٤٢/٣/١٩ هـ

لا يمكن أن تكون مهتمًّا بالفكر النِّسوي دون أن تمر على كتاب “الجنس الآخر”، للمفكرة والناشطة الفرنسية “سيمون دي بوفوار”، حيث تُقدم دي بوفوار تفسيرًا شاملًا لِما آل إليه وضع المرأة، تَستعرض فيه التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي أدت إلى إضعاف المرأة وحرمان الإنسانية إبداعاتِها. لكن، مع تقديمها التبريرات لضعف المرأة، فإنك تلمس بين السطور دعوة إلى الثورة، تبدأ بفهم المرأة أسباب حشرها في خانة الضعف وأساليب الإضعاف، بوصفها خطوة أولى نحو الرفض، ثم التقوية.

تؤْمن دي بوفوار بضرورة الاستقلال الاقتصادي للمرأة، باعتبارها خطوة أولى باتجاه التحرر، وتُعوِّل عليه قبل القوانين التي ما تزال في الكثير من دول العالم العربي متراجعة عن أوروبا (في ذلك الزمن). فمن الطبيعي أن تطالب المرأة بعد استقلالها الاقتصادي بقوانين تتماشى مع هذا الاستقلال، وأنْ ترفض التبعية التي كان يفرضها الاحتياج المادي إلى الرجل. إلا أنه بالنظر إلى الكثير من النساء العربيات، اللواتي حصلن على استقلال اقتصادي في ظل قوانين غير منصفة ومجتمعٍ ظالم، والذي هو أمر عظيم يتطلب مجهودًا كبيرًا لتركيع العقبات والانتصار على المعوقات – فإن نسبةً قليلة منهن يستخدمن قوَّتهن في فرض معطيات جديدة. فلا نجدهن في المظاهرات النسوية المطالِبة بتغيير القوانين، بل نجد أن الكثير من ضحايا العنف هنَّ من المتعلمات أو العاملات أو من الفئتَين معًا؛ ما يقودنا بطريقة غير مباشرة إلى التساؤل عن مدى أهمية العلم والعمل، إنْ لم يُسلِّحَا المرأة بأساليب الدفاع عن نفسها.

بينما يضع الحقوقيّون الكرة في ملعب السلطة أو فيما يُعرف بالمنظومة الكاملة، يُعلّق عامة الناس كل الإخفاقات والجرائم على حبل القضاء والقدر، ويظل الفرد بين الاثنين مغلوبًا على أمره، حتى ولو امتلك من أدوات القوة والمقاومة الكثير. فلا يُلام لعدم استخدامه أدواته، بل إنّ ضميره مرتاح، فهو المُسيَّر الذي يمشي خلف قدَره. ولا يُمكن أنْ ننسى في هذا السياق الدور الذي يلعبه بعض من يتصدر الخطاب الدينيّ، في كبح جماح المقاومة والثورة في داخل المرأة، تحت عناوين طاعة وليّ الأمر، والصبر والاحتساب.

على المرأة العربية أن تَعرف أن خضوعها وقبولها للقمع، ليس في مصلحة المجتمع -كما قيل لها-، بل إنه تدعيم للاستبداد الذي يحاول الرجل والمرأة الفَكاك منه. هذا النظام الأبوي الذي يفرض سلطة القوي على الضعيف، أعطى الرجل حق تفريغ كبْتِه وقهره في المرأة، حتى لا يتوجَّه سخطه إلى المستبد. وما دامت المرأة في أسفل هرم القهر خانعة، فلن يثور الرجل والمرأة معًا على سبب الظلم والقهر والاستبداد الحقيقي.

في كل وِقفة احتجاجية ضد العنف، تُتّهم المرأة المحتجّة بأنها من طبقة أخرى وليست من النساء اللواتي يُعانِين، وتُتّهم بأن لها أجندات خارجية هدفها تدمير المجتمع المسالم. ومع وجود نساء من كل أطياف المجتمع، فإنَّ من يتميَّزن بالهتاف والقيادة لسن غالبًا ممّن تعرَّضْنَ للعنف. ومع أن مساندة المرأة للمرأة ضرورة، ووقوف كل امرأة قوية مع حقوق المرأة ومطالبتها بإنصاف الضعيفات أمرٌ رائع، فإننا بنظرة سريعة إلى الحركات النِّسْوية في العالم، نُدرك أنها نشأت على أيدي نساء مقهورات، بدعم من نساء ورجال أقوياء، رفضُوا الذلَّ وخرجُوا للمطالبة بحقوق النساء. وبعد سنوات من الكفاح حصلت المرأة على ما تريده من حقوق، إذ بدأت بالأجور المتساوية ثم الحقّ في الانتخاب والترشح، ووصلت إلى مساواة كاملة نسبيًّا في بعض البلدان. كل هذا مع دعم من حقوقيِّين وحقوقيات وكُتَّاب ومفكرين/ات، كان عملهم بالتوازي لتوعية المجتمع والمطالبة بالحقوق.

هذه دعوة لكل امرأة مقموعة إلى التفكر واستغلال الموارد، والثورة على أوضاع غير إنسانية، واستغلال إمكاناتها وتثقيف نفسها؛ ودعوة إلى رفض العنف والتهميش، ودراسة للخيارات، حتى تجد مخرجًا يكفل لها حياة كريمة؛ ودعوة إلى الخروج بأقلّ الخسائر من علاقات يسُودها العنف وإهدار الكرامة الإنسانية، لا إلى الغرق أكثر حتى تصبح النجاة مستحيلة؛ ودعوة أيضًا لكل امرأة قوية متسلحة بالعلم أو بالعمل، إلى الوقوف مع النساء الأخريات وعدم إظهار العداء لهن. فمَطالِبُهن محقة، وكل امرأة قد تكُون ابنتُها أو إحدى قريباتها هي الضحية التالية. إنها دعوة إلى القراءة في مفهوم النسوية والعمل النسائي المشترك، الذي بدأ ينضج ويحتاج إلى جهود كل امرأة وكل رجل، يؤمنون بالمساواة أساسًا لدولة العدالة. فلا حق يُعطى لمن لا يطالِب به.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.