الرئيسية > رأي عام > مقالات > مستقبل العرب والكورد في سوريا
روجيه أصفر (سوريا)

مستقبل العرب والكورد في سوريا

الثلاثاء ٢٠٢٠/٦/٢٣م   |   ١٤٤١/١١/٣ هـ

تَعرَّض المكوِّن الكُوردي في سوريا منذ عشرات السنين لمزيج من العنصرية، وحرمان الحقوق، مع تُهَم بالانفصالية والعَمالة. فحُرِم مئات ألوف من أبناء هذا المكوِّن حَمْلَ جنسية الأرض التي ينتمون إليها؛ ما جعل حياتهم شديدة التعقيد والصعوبة، فضْلًا عن سياسات تعريب مناطقهم وأسماء قُرَاهم وبلداتهم، ومَنْع تدريس لغتهم، بدعوى صَهْر كل المكوِّنات في بَوتقة عربية واحدة. أيضًا الرواية -المختلف فيها- المستعمَلة لتبرير عدم منح الكورد الجنسية السورية في ستينيَّات القرن الماضي، ترتبط بتُهَم انفصالية.

من جهة أخرى، ساهمت الحرب الجارية في سوريا منذ سنوات، وعملياتُ التهجير المرافقة لها، في تهجير ملايين العرب السوريين/ات، الذين لجأ كثير منهم إلى المناطق الشمالية. فأصبحوا “ضيوفًا” على هذه المناطق التي تضم مكوِّنات عديدة، منها المكوِّن الكوردي.

اجتماعُ المكوِّنَين العربي النازح والكوردي المستضيف، الذي كان سلسًا في البداية، أدَّى مع الوقت والتدخلات الخارجية إلى ممارَسات يَندى لها الجبين، في منطقة عفرين شمال غرب حلب على سبيل المثال، من تهجير تقوم به فئة من المهجَّرين/ات أنفسهم بحق أصحاب الأرض من الكورد، وعمليات خطفٍ وطلبٍ لِلفِدْيات، وفرض الإتاوات، واحتلال الأراضي الزراعية، وقطع أشجار الغابات، وُصولًا إلى جرائم أخرى تصل إلى القتل.

هذه الجرائم تُنفَّذ بِعامل قوة الفصائل المسلَّحة المهجَّرة من مناطقها السورية الأخرى، والمدعومة من أطراف أجنبية، في حين ينقسم المدنيون/ات المهجَّرون/ات، بين رافض بصمت وخوف لِمَا تقوم به هذه الفصائل المسلَّحة من جهة، وداعم لهذه الممارسات -ورُبَّما مستفيد منها- من جهة أخرى.

في الوقت الذي تسيطر فيه بشكل عامٍّ في منطقة شرق الفرات، قُوًى كوردية مدعومة من أطراف أجنبية، تقول منظمة العفو الدولية إنها تورطت في عمليات تهجير لسكان عرب من قراهم. ما يعتبره بعضهم استفادةً من الدعم المقدَّم لها، لتسيطر على مناطق تدَّعي كورديتها. ويرى عرب سوريون/ات أنَّ الأمر فرضٌ للأجندة الكوردية الممهِّدة للانفصال، إضافة إلى السيطرة على ثروات باطنية تعود ملكيتها للسوريين/ات جميعًا.

تتصارع روايات المعاناة والظلم، وكأنَّ الأمر تَنافُس في “مَن عانَى أو يُعاني أكثر”، بين مكوِّنات مختلفة وأبناء مناطق سورية مختلفة. وفي حين تتكفَّل الاحتكاكات “الطبيعية” بين النازحين/ات وأبناء المجتمع المُضيف -إلى أيِّ جهة انتَمَوا تحت ظل التدخلات الخارجية-، بتحويل صغائر الأمور إلى قضايا كبيرة ومؤثِّرة؛ يُضاف إليها في هذه الحالة الكثير من التراكمات المتعلقة بالانتماءات والهويات القومية والدينية والطائفية، مترافقةً كلها مع سوء تَفاهُم مُزمن.

ما يسترعي الانتباه ويدعو إلى التأمل هنا، هو قدرة النازح المظلوم على أن يتحول بِدَوره -بفارق زمني وجغرافي بسيط- إلى جلَّاد. وهذا الأمر يُبرز أنَّ مَن كان ضحية في سياق ما، قد لا يكُون متحررًا من دَور الجلَّاد في سياق آخر. وهو ما يَدفع إلى طرح أسئلة قِيَمية بحق قضية النازح الأصلية، وطريقة مقاربته لها، فإنْ كنت ثائرًا على الظلم والتمييز والديكتاتورية، وطالِبًا للحرية والديمقراطية، فكيف يمْكن لك أن ترتكب أو توافق على أفعال أقرانك، بحقِّ مُوَاطِنك المختلف عنك، في حين كنت بالأمس ترفضها عندما استهدفَتْك؟ ثم كيف تَعُدُّها صحيحة هنا، وخطأً هناك؟

الكورد كغيرهم من المكوِّنات السورية، لهم تاريخهم الطويل في سوريا، وإسهاماتُهم التي لا داعِيَ لذكرها في هذا السياق. فالمكوِّنات لا تَكتسب حقَّها في الوجود والاحترام، على أساس “سِيرتها الذاتية الجماعية”، أو بِناءً على إنجازاتها؛ إذ الوجود لا يحتاج إلى دور لتبريره، والوجود يُبرِّر الوجود. أيُّ جدلية تُبنى على أساسِ وطنيةِ هذا المكوِّن وإسهامات شخصياته في بناء الوطن، أو على عُمق وجوده التاريخي، تُمهِّد تِلقائيًّا لِاضطهاده أو إلغائِه، في حال جرى نفْيُ هذه السرديات الوطنية والتاريخية أو إضعافُها.

ما يَحدث اليوم، هو نتيجة سوء إدارة المواطَنة في سوريا أكثر من نصف قرن، وهو سوء إدارة مقصود، بل -برأيي- خبيث، يحاول من وجهة نظر شمولية تَجاهُل الاختلافات، بل إلغاءها؛ لِصَهر المواطنين/ات جميعًا في بَوتقة واحدة مستحيلة، أو زرع الشِّقاق بينهم على أساس “فَرِّق تَسُد”.

إنَّ تَفاقُم خطاب الكراهِيَة يَطرح سؤال الانفصال، على أرضية الأسئلة الجوهرية اليوم، التي تَطُول الهُويَّة السورية نفسها، والعَقدَ الاجتماعي الذي جمع سكان هذه الأرض، وأساسَ رسمِ حدودها بالشكل المتعارَف منذ قرابة قرن.

يبدو التعايش العربي‑الكوردي على أساس انتهاكات اليوم، أمرًا شديد الصعوبة؛ إذ الحمولات الجماعية السلبية، تَجعل من أي طرح مستقبلي لمُواطَنة حاضنة للتنوع، طرحًا غير مطَمْئن بما يكفي، لمن لا يزال يحمل معاناة الأمس.

من ناحية أخرى، قد يشكِّل إقرار نظام مُواطَنة حاضنة للتنوع في ظلِّ لامركزية موسَّعة، حَلًّا مُرضيًا لمختلف المكوِّنات، على أمل أنْ تتجاوز إرث الأمس واليوم، لتعيش معًا في الغد.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.