الرئيسية > رأي عام > مقالات > من الأديان الثلاثة الى سفينة نوح
سعد سلوم (عراق)

من الأديان الثلاثة الى سفينة نوح

الأربعاء ٢٠١٨/١١/٢٨م   |   ١٤٤٠/٣/٢٠ هـ

يَخضع الاعتراف الرسمي بالتنوع الديني في العالم العربي، لِتَحكُّم بُنْية ثقافيّة سائدة، تَحصر قَبول الآخر المختلف دينيًّا في دائرة حصرية، هي دائرة الأديان الإبراهيمية أو التوحيدية. ومن الواضح، أنها تضمُّ أديانًا كبرى مثل اليهودية والمسيحية والإسلام. وهي أديان تشترك في جَدٍّ أعْلَى (النبيّ إبراهيم)، وتضمُّ كتبًا مقدَّسة مثل التوراة والإنجيل والقرآن. وتُحدِّد هذه الدائرةُ الحصرية السياقَ الثقافي والاجتماعي للتعامل مع الآخر. فحين تَتحدث بِدين من الأديان التي تعتنقها إحدى الأقلِّيّات في الشرق الأوسط، تُواجهك الأسئلة ذاتها في كلِّ مرة تقريبًا: هل هو دين توحيدي؟ أم هل هو دين إبراهيمي؟ وهل هو سابِقٌ للإسلام، أم لاحِقٌ له؟

تَضع الذهنيةُ التي تَرسمها هذه الدائرة المُواطنَ العربي تحت سؤال مُلحّ: هل يمثِّل الدستورُ والدولة الضامنة له المرجِعيةَ التي تَحكم الاعتراف بالآخر، أم بُنْية مغلَقة على دائرة ثقافية محدَّدة ببعض الأديان؟ لا تكفي الدساتير وحدها لِصياغة قبول عامٍّ للآخر، ما دامت دائرة الأديان الإبراهيمية تَصُوغ الاعتراف في ظلِّ الواقع الاجتماعي، الذي يُقلِّص دائرة الاعتراف داخل هذه البُنْيَةِ الثقافية السائدةِ حرِّيّةَ المعتقد، مقتصرةً على قائمة معيَّنة من الآراء الدينية، ويَحرِم التمتُّعَ الكامل بالحرية الدينية؛ ما يَنتج منه إقصاءٌ رسميّ لأعضاء طوائف أخرى، من الحماية الكاملة والمتساوية لحريتهم في المعتقد، ويُسهِّل التمييز ضدهم.

مع أن اليهودية والمسيحية والإسلام، تمثِّل أديانًا كبرى متجذِّرة في تاريخ المنطقة، فإن هناك أديانًا أخرى تُعَدُّ جزءًا من تراث الشرق الأوسط وثقافته، ولها أتباع ما يزالون يعيشون في بلدان المنطقة وخارجها، مثل: الصابئة المندائيّة، والإيزيديّة، والزرداشتية، والكاكائية، والبهائية.

قد تَدفع الذهنيةُ الحصرية أفرادًا ينتمون إلى أديان تقع خارج القبول الرسمي أو الاجتماعي، ولا يُعَدُّ أتباعها من نسل إبراهيم، إلى اختلاق صِلَة أسطورية بالنبي إبراهيم، وفَبْرَكة تاريخ يمنحها الشرعية والقبول. غير أن الأمر لن يتوقف عند ذلك. فمن الواضح، أن أتباع هذه الأديان يواجهون تمييزًا، وقد يتعرَّضون لاتِّهامات تُخرجهم من دائرة القبول والاعتراف، مثل الديانة البهائية، التي هي ديانة متأخِّرة في ظهورها عن الديانات الثلاث الكبرى؛ أو مثل الإيزيدية، التي لا تحتوي على كتاب مقدَّس، وتقوم معتقداتها على أساس تراث شفهي (عِلْم الصَّدْر)، أي التقاليد الدينية التي يتناقلها رجال الدين عصرًا بعد أخر.

أعتقد أن النقاش بشأن أهمية التراث الإبراهيمي المشترك بين شعوب المنطقة، ينبغي له ألَّا يُزيح إمكانيات توسيع دائرة الاعتراف على نحو يضمُّ أديانًا أخرى؛ إذ لا قيمة للاعتراف بالآخر من دون توسيع دائرة القبول، لتضمَّ أديانًا أخرى خارج دائرة القبول السائدة. وفي مركز هذه الدائرة يَظهر النبي إبراهيم، بوصفه أهمَّ الشخصيات المحورية في التاريخ الديني للمنطقة. إنه الجَدُّ الأعلى في سرديات الأديان الكبرى التي تسمَّت بِاسْمه (الأديان الإبراهيمية)، وهو أبُو شعوبٍ مؤمنة، تَتبع أديانًا بلَغ فيها “النبيُّ إبراهيم” منزلة السلف الروحي لشعوب المنطقة. إبراهيم هو أبٌ لِلعبرانيِّين والعرب والآراميين والترك والكرد والفرس.. إلخ، من أتباع الديانات الثلاث التوحيدية.

يُعَدُّ إبراهيم في السَّردية الإسلامية المؤسِّس الأول لملَّة الإسلام: {ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مُسْلِمًا وما كان من المشركين} [آل عمران: 67]. وفي السَّردية المسيحية يَصِل نسب يسوع المسيحيُّ إلى إبراهيم، حسب إنجيل متى (1: 17). وإبراهيم في السردية العبرانية هو الأب المؤسِّس للعلاقة الخاصة بين الشعب اليهودي والله، على نحو يستمدُّون منه موقعًا فريدًا بوصفهم شعب الله المختار. فيُتيح الجَدُّ المشترك توحيد شعوب المنطقة، عن طريق تخيُّل رابطة تتجاوز السُّلالة المبنيّة على الدم، تقوم بدلًا من ذلك على مشاركة روحية في جَدٍّ أعْلَى لجميع المؤمنين. ولكن، ماذا عن بقية شعوب المنطقة التي تقع خارج دائرة الأديان الإبراهيمية؟

نحن في حاجة إلى ثورة ضد النهج الحصري لحرية المعتقد. وهو نهج يتعارض مع روحٍ عالميّة لحقوق الإنسان، تقوم على احترام الكرامة الإنسانية للجميع. وفي مقابل الاستعمال الحصري لحرية المعتقد، يبقى الفهم الواسع له يمثِّل خِيارًا قادرًا على إنصاف التنوع الديني الغني، القائم في بلدان المنطقة، والذي يُعَدُّ أفراده جميعًا أصحابَ حقوق متساوية. وفي هذا السياق، أستحضِرُ عبارة للأمير الحسن بن طلال يقول فيها: “علينا أن نغادر دائرة الأديان الثلاثة، لكي نصعد إلى سفينة نوح”.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.