الرئيسية > رأي عام > مقالات > من تونس إلى بيروت: الثَّورة لا تموت
وجدان بو عبدالله (تونس)

من تونس إلى بيروت: الثَّورة لا تموت

الإثنين ٢٠١٩/١٠/٢٨م   |   ١٤٤١/٢/٢٩ هـ

وثْبَةُ اليقظة، تلك الَّتي حرَّكت الجماهير في لبنان في وقت واحد، وألهمَتها الخروج إلى الشَّوارع متحدِّيةً الزُّعماء السِّياسيِّين منهم والدِّينيِّين، لتوحِّدَ ألوان جميع الطَّوائف في رايةٍ واحدة هي: عَلَم لبنان. والحَراك الشَّعبيُّ في لبنان حاليًّا -ومع خصوصيَّة الواقع اللُّبنانيِّ-، يأتي في سياق الحركة التَّحرُّريَّة العربيَّة الرَّاهنة، بتحدِّي الأنظمة الشُّموليَّة، وسلطة الفساد، واستبداد الأحزاب واللُّوبيَات المنتفعة من هذا الفساد.
من تونس إلى بيروت: وَقُود الثَّورة لم يَنْفد. وقد تختلف التَّجارب الثَّوريَّة من دولة عربيَّة إلى أخرى، لكن الأهداف تتشابه كثيرًا: التَّحرُّر من استبداد الحكَّام، والقضاء على الفساد، ومحاسبة حِيتان الفساد، وإرساء أنظمة ديمقراطيَّة حقيقيَّة؛ ومَنْح جميع فئات الشَّعب حقوقًا متساوية. ثمَّ مِن بلد عربيٍّ إلى آخر، ثمّة قَلقٌ مُولَع بالحرِّيَّة يحرِّك الجماهير، قلقٌ لم يُخمد رغم محاولات شيطنة الحَراك السلميِّ في الشَّارع العربيِّ وتخوينه، تحت مسمَّيات كثيرة: أجندة خارجيَّة، تمويل أجنبيّ للمتظاهرين، عملاء السِّفارات، أَخْوَنة البلدان… إلخ.
بصِفتي تونسيَّةً وصحافيَّةً، أُتابع الحَراك اللبنانيَّ. ودون حاجة إلى مقارنة ثورة تونس بثورة لبنان، ولا بثورات أخرى، أجدُ أنَّ الزَّخم الثَّوريَّ قد حافظ على شُعلته، رغم الهَنّات الَّتي أصابت ثوراتٍ عربيَّة كثيرة، لعدَّة أسباب منها: تَدخُّل الجيوش في دول، وانزلاق أخرى في نزاعات مسلَّحة أشعَلَتها عدَّة جهات خارجيَّة.
ما يحرِّك الشَّعبَ اللُّبنانيَّ الآن، يتشابه إلى حدٍّ بعيد مع ما حرَّك الشَّارعَ التُّونسيَّ في شتاء عام 2010، حين أشعل شابٌّ اسمه محمد البوعزيزي النَّار في جسده، احتجاجًا على مصادرة عربة بيع الخضار التي كان يستعملها عند ناصية الشَّارع. ثورة تونس المسمَّاة “ثورة الياسمين” كانت في بدايتها ثورة على الفساد المستَشْري في السُّلطة، وعلى المحسوبيَّة وارتشاء البوليس، وعلى استغلال الطَّبقة الكادحة لجمع الضَّرائب منها. البوعزيزي كان أنموذج المُواطن البسيط الذي تُنافسه السُّلطة في كسب قُوته القليل، بفرض ضرائب تَقصِم ظهره، وإن لم يَدفعها تُصادِر رأس ماله المتواضع والوحيد.
هذا تقريبًا ما حدث في لبنان قبل نحو أسبوعين، حيث فُرض المزيد من الضَّرائب على شعب مُنهَك يبدو في الظَّاهر “بخير”، لكنَّ الحقيقة بانت في لحظة تاريخيَّة مَفصِليَّة، حين خرج هذا الشَّعب عن طَوع زعمائه السِّياسيِّين والأحزاب ورؤساء الطَّوائف، ليَهتف في الشَّارع: “كِلُّنْ يعني كِلُّنْ”. وما يوحّد الشَّارعَ اللُّبنانيَّ اليوم، وَحَّد الشَّارعَ التُّونسيَّ قبْل أعوام: ثورة على النِّظام. فتَبدَّد الخوف، أيِ الخوفُ من زوال نعمة طرف سياسيٍّ أو دينيٍّ يَحميك مقابل سكوتك، انتهى.
يقول عبد الرَّحمن الكواكبيُّ في كتابه “طبائع الاستبداد ومَصارع الاستعباد”: “إذا زاد عِلمُ أفراد الرَّعيَّة بأنَّ المُستبِدَّ امْرُؤٌ عاجرٌ مِثلهم، زال خوفهم منه وتَقاضَوه حقوقهم”. وهذا بالضَّبط ما حدث في تونس، ويَحدث اليوم في لبنان: زال الخوف وشرَعَ الشَّعبُ في المطالَبة بحقوقه. إنّ الخوف الذي يعلّم النِّفاق وتدليس الوقائع، حين ينتفي، تبدأ عجلة التَّغيير بالدَّوران، وتتكشّف الحقائق الَّتي كانت مطمورة، ومعها تَظهر هنّات النِّظام، ويُكشف عن هول النَّهب الَّذي جرى تحت جناحه. ها هنا ينتفض المُواطن(ة) من تحت عباءة حاميه السِّياسيِّ أو الدِّينيِّ، ليُطالِب بمحاسبة الفاسدين، وتَنحِّي المنتفعين من الفساد أو المتواطئين معه.
كان لافتًا عزمُ الجماهير في لبنان على مواصلة الحَراك، دون أنْ يرفَّ جفنهم خوفًا من بطش زعيمٍ سياسيٍّ وأنصاره. أيضًا كان لافتًا ظهور قوَّة شعبيَّة، وحَّدَت المواطنين/ات من جميع الأطياف المذهبيَّة والأيديولوجيَّات الفكريَّة والانتماءات السِّياسيَّة. فتبخَّرَت تلك التَّوصيفات الضَّيِّقة الَّتي كان يُجبَر المُواطَن(ة) على التَّموقُع فيها، مَحكومًا بإرث متداول في المجموعة: هذا سُنِّيٌّ وهذا شيعيٌّ وهذا ماروني… إلخ. وحين سقطت تلك التَّوصيفات، ارتفعت المُوَاطَنة، فجمعت الكلَّ تحت راية واحدة: راية الوطن وراية المَطالب الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة.
كان لافتاً كذلك، خروج الجماهير في لبنان رغم التَّحذير من “نيران الثَّورات”، واستحضار نماذج “فاشلة” من انتفاضات عربيَّة أخرى، بدأت سِلميَّة وانتهت بنزاع مسلَّح. التَّحذير الَّذي أخذ قالب التَّهويل وإخافة اللُّبنانيِّين/ات بسيناريوهات تجارب أخرى، لم ينجح في تراجع الجماهير، بل زاد من زخمها. فرأينا توافد الآلاف من مختلف مناطق البلاد رافعين/ات الشِّعارات ذاتها.
من تونس إلى بيروت، هناك قاعدة شعبيَّة طفَح بها الكيل، وسئمت وُعودَ السِّياسيِّين والأحزاب، وضاقت ذرعًا بثنائيَّة المال والسُّلطة. هناك أيضًا شباب وشابّات، لم تَنطَلِ عليهم حيلة التَّحذير من “فشل الربيع العربيِّ”. فالرَّبيع يُزهر اليوم في عِزِّ الشِّتاء.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.