الرئيسية > رأي عام > مقالات > مَن أُحبُّ عندما أُحبّ؟
عدنان المقراني (تونس)

مَن أُحبُّ عندما أُحبّ؟

الإثنين ٢٠١٩/٢/٠٤م   |   ١٤٤٠/٥/٢٩ هـ

مجتمعاتنا تجهل أو تتجاهل التربية العاطفية والوجدانية. لا أقصد فقط التربية الجنسية. فالجنس يمكن أن يكُون تعبيرًا عاطفيًّا نبيلًا، ولكن أقصد طُرق الحُبّ وتعبيراته عامّةً. بكلمة أخرى “فنّ” الحب. عدم المعرفة للكيفية يؤدِّي إلى كوارث لنا ولغيرنا، مَهْما كنَّا صادقين ومخلصين، ومَهْما كان الحبُّ عظيمًا وقويًّا. قد نَملك كنوز الدنيا، ونُبَعثرها إلى حدِّ العبث والتبذير؛ عندما نَفقد حكمة التدبُّر والتدبير، في عاطفة من طبيعتها الثورة والجَيَشان.

الأمر يتعدّى في خطورته الكيفية والتعبير، ليصل إلى حدِّ معرفة مَن نحبُّ حقيقةً. هذا “الآخر” المحبوب، هل هو حقًّا آخَر أم مجرّد خيال للأنا؟ أم هل تُراه آخَرَ “آخَر” غير الذي يَخطر على بالنا؟

أحيانًا نحبُّ مِثالًا صنعناه بخَيالنا، لا علاقة له بحقيقة المحبوب. لعلَّ الحبَّ مِن أوَّل نظرة من هذا القبيل. هذا في حدِّ ذاته ليس انتقاصًا، بل قد يكون بداية جيدة. فهناك شيء ما في الآخَر يحرّك فينا مَكامن الحبِّ. سِرٌّ لا نستطيع تحديده بالضبط. قد يكون النظرة، الابتسامة، الحيوية، الحضور… شيءٌ ما ينتمي إلى اللَّاوعي أكثر من الوعي. فيكون الحبُّ عملية تَحوُّل عميقة وضرورية في شخصية الإنسان، ويكُون في حال غيابه أو العجز عنه إعاقة نفسية، تُهدّد بتشويه الشخصية تشويهًا كبيرًا. إنها شرارة تُطلِق خَيالَنا إلى أبعد الحدود. مِن تلك الجِذْوة استمدَّ الأدباء والشعراء والفنَّانون بُحورًا من الإبداع؛ ما شَكّل أهمَّ روافد الحضارة والثقافة والإنسانية.

أُلاحظ أحيانًا بعض الأشخاص يتزوَّجون ممَّن يشبهونهم، ليس فقط في الطبع بل حتى في ملامح الوجه. فيبدو الزوجان وكأنهما أخَوان من شدَّة الشَّبه، أو كأنّ أحدهما اختار شريكه لأنه يُشبه أمه من حيث لا يدري! في حالات أخرى، لا نُنتج نحن هذه الصورة المثالية للمحبوب، ولكن يُنتجها هو أو هي. نشاركه في بناء تلك الصورة، أو نستسلم لها وكأنها الحقيقة المطلَقة.

نقابل أحيانًا أشخاصًا لا يَمَلُّون من الكلام عن أنفسهم لساعات طويلة وبطريقة جميلة وجذّابة، تجعلنا نقع في حبِّ الصورة المقدَّمة. نعيش ونحن ننظر إلى أنفسنا بعيون الآخرين، نتخيَّلهم ينظرون إلينا. كثيرٌ منَّا بائعون لصورهم الشخصية -بِوَعي أو بدونه- في ساحات التواصل، التي أصبحت مَعرِضًا يوميًّا لعضلات الأنا. فنظنُّ أننا نعرف الآخر، ولكننا لا نعرف إلّا ما أُريدَ لنا أن نَعرف.

المشكلة في الحالتَين هي الوهم، نُنتجه أو يُنتَج لنا. في مسيرتنا قد ننطلق من مسلَّمات أو فرضيَّات لنَبني أفكارًا ومشاريع في عملية جدليّة مع الواقع، فنصحّح تلك المنطلَقات في ضوء “الاشتباك” مع الواقع. الخَيال هو المجال الأرحب للقاء الله والإنسان، -كما يقول ابن عربي- ما دام الخَيال حركيًّا متطوِّرًا. أمّا الوهم، فهو الخَيال الجامد المتوقّف، إنه الوثن، حجاب يَحُول دون المعرفة. عندما نكتفي بالوهم نَقتل الحُبّ، لأنه لكي ينمو يحتاج إلى الحركة والحرية والحيوية. عندما نحاول أن نتملّك ما لا يُملك، بل ما يَملكنا، فهذا هو الوهم البَوَاح (المكشوف)، بإطلاق كلمة حُبٍّ على نقيضها.

كيف يمكن أن نصل إلى المعرفة الحقيقية للمحبوب، حيث لا نُحبُّ فيه أنانَا أو أناهُ، ولا نحبُّ فيه وَهْمه أو وَهْمنا، بل نحبُّه هو على حقيقته، حبًّا يتحقّق بالحقِّ، ويَرمي جذوره في باطن النفس لا في ظاهر الأشياء؟

يرى بعض “المتشائمين” أن عمر الحبِّ ثلاث سنوات، على أقصى تقدير. ثم تَخْبُو جِذْوتُه. فكما اشتعلت فجأة، تنطفئ لأتفه الأسباب. وبرأيي، هذه حقيقة جزئية؛ لأنّ الوهم عمره قصير. فلحظة انكشاف الوهم قد تتطابق ولحظة “نهاية” الحبّ. وهي لحظة قاسية، قد تصبح سعيدة، إذا ما استطاع المحبُّ أن يَنفذ إلى ما وراء الوهم من حقيقة نسبية، فيَبني علاقة حقيقية دينامية. في لحظات الوهج الأولى لا نرى إلَّا المحبوب، ثم ننتبه أننا أيضا موجودون، فنخشى الفناء ونتشبَّث ببقاء مأزوم، حتى نَعبر إلى توحيد يتجاوز الثنائيات ولا يلغيها في الوقت نفسه. فهنالك نجد البقاء الحقَّ. وما ينطبق على الحبِّ الإنساني، ينطبق على الحبِّ الإلهي. فالحبُّ واحد.

المشكلة ليست في الوهم في حدِّ ذاته، بل في غياب حركية التجاوز النسبي، الذي يسمح بتحسين العلاقة وتجاوُز عُقَدها. قد نتوصّل إلى وهم جديد ومؤقّت، ولكن الحركة الطالبة للحقيقة، كفيلة بمداواة النقص تدريجيًّا، خاصّةً إنْ كانت هذه الرغبة تبادُليَّة وتشارُكيَّة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.