الرئيسية > رأي عام > مقالات > مَن قال إن هناك تفسيرًا واحدًا للقرآن؟
نايلا طبارة (لبنان)

مَن قال إن هناك تفسيرًا واحدًا للقرآن؟

الأربعاء ٢٠١٨/١١/٢١م   |   ١٤٤٠/٣/١٣ هـ

قد يجهل الكثيرون غِنَى التراث الإسلامي، بالنسبة إلى التفاسير القرآنية. فالصورة السائدة في الغرب أن هناك تفسيرًا واحدًا للقرآن. أما في الشرق، فقد اشتهرت بعض كتب التفاسير، مثل تفسير الجَلالَيْن وتفسير الطَّبَاطَبائي، وأُهملت تفاسير كثيرة أخرى.

إلَّا أن التاريخ الإسلامي زاخر بمفسِّرِين، تَوزَّعوا على مدارس مختلفة في التفسير. فهناك التفسير بالمأثور، وهو يرتكز على تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالحديث النبوي، ثم بأقوال الصحابة والتابعين. وأوَّلُ التفاسير الكاملة في هذه المدرسة تفسيرُ الطَّبَري، الذي ارتكزت عليه جميع التفسيرات بالمأثور، التي أتت بعده ونَهِلت منه.

مع ظهور مدرسة التفسير بالمأثور في أول العصور الإسلامية في المدينة، ظهرت في العراق مدرسة أخرى وهي التفسير بالرأي، أو ما سُمّي أيضًا التأويل العقلي، والذي يضيف فيه المفسّر رأيه أو تحليله في تفسير الآيات، بالرجوع إلى موقفه الكلامي أو الفلسفي. ومِن أهمِّ التفسيرات بالرأي الفلسفي تفسيرُ الرازي، ومِن أهمِّها بالرأي الكلامي تفسيرُ الزَّمَخْشري المعتَزِليّ، وتفسير المنار ذو البعد الإصلاحي الاجتماعي لرشيد رضا.

ثم هناك كتب التفسير أو التأويل الباطني، الذي يَستخرج من النص معانِيَ غير ظاهرة. وفيها التفسير الإشاري أي التفاسير الصوفية، ومن أشهرها تفسير القُشَيري، وتفسير القاشاني الذي نُسب إلى ابن عربي. وهناك تفاسير باطنية تابعة لمذاهب مختلفة ضِمن الإسلام، فَسَّرت معنًى مستتِرًا في الآيات، على أنه إشارة إلى رموزها أو موقفها الكلامي. وتبقى جميع هذه المدارس حيّة ومتجدّدة حتى الآن.

مع أنه شائعٌ اليوم، استعمال كلمة “تفسير” بمعنى التفسير بالمأثور، وكلمة “التأويل” بمعنى التفسير العقلي أو الباطني، فإنَّ المفسِّرِين الأوائل لم يُفرّقوا بين التسميَتَيْن. وأودُّ هنا التنويه بالعمل الجبَّار الذي قامت به مؤسسة آل البيت الإسلامية  في الأردن، التي جمعت للقارئ جميع هذه التفاسير ومدارسها المتعدّدة، على موقع المؤسسة.

نجد ضِمن هذه القائمة عَلَمين من المفسِّرين بالمأثور، أيِ التفسير التقليدي المعترَف به عند الجميع. أحدُهما من البقاع (لبنان)، وهو إبراهيم بن عُمر البقاعي (توفي عام 885ﻫ/1480م)، الذي رفض في تفسيره “نَظْم الدُّرر في تناسب الآيات والسُّوَر” المعروف بتفسير البقاعي، وكذلك في كتابه “مَصاعد النظر للإشراف على مقاصد السّور”، الرجوعَ إلى “الإسرائيليات”، كما يفعل المفسرون بالمأثور. وهي قصص شفهية أتت من تراث مسيحي أو يهودي، يَصعب تحديد مَصدرها أو مصداقيتها. لكنَّ “البقاعي” عاد مباشرة إلى الكتابَين المقدَّسَين: التوراة والإنجيل، مُعتبرًا إيَّاهما بمنزلة الحديث النبوي الشريف، كمَصدرَين للتفسير. المفسّر الثاني هو التُّونسيّ من القرن العشرين، محمّد الطاهر بن عاشور (توفّي 1972م). وهو كان أيضًا يرجع مباشرة إلى الأناجيل في تفسيره المسمّى “التحرير والتنوير”، بدل العودة إلى الإسرائيليات.

مع القرن العشرين تَبلوَرت أيضًا أنواع جديدة من التفاسير، حتى وإن لم تكن تفاسير مكتملة. فهناك تفاسير من حركات الإسلام السياسي، كتفسير السيد قُطب “في ظلال القرآن”. وهناك تفاسير انبثقت من اتجاهات جديدة في العلوم الإنسانية، كالتفسير الأدبي الذي يحاول استخراج معنى النص من النسق الأدبي للآيات. ومن أعلام هذا التفسير أوَّل امرأة مفسِّرة “عائشة عبد الرحمن”، التي نشرت تفسيرها “التفسير البياني للقرآن الكريم”، في ستينيَّات القرن الماضي، بِاسْم “بنت الشاطئ”. وهناك التفسير الموضوعي، حيث يحاول فيه المفسر عند تناوُل أيِّ موضوع، ربْطَه بما يَرِد عن نفس الموضوع في كامل القرآن، ومن أعلامه حسن حنفي. واليوم، هناك بعض الاتجاهات في الفكر الإسلامي، تأتي بتفاسير جديدة لآيات تَدُور حول موضوع معيّن، مثلًا: المرأة (التفاسير النِّسويّة)، أو لاهوت التحرير (وهو التفسير الذي يركِّز على مسؤولية المسلمين عن إنشاء العدل الاجتماعي، أو التعدّديّة الدينيّة).

إنّ التفسير القرآني دائمًا متجدِّد، وباب الاجتهاد فيه لم يُقفل. وغِنَى التفسير مِن غِنَى التراث الإسلامي؛ وهو ما يُثْبت أن القرآن لكلِّ زمان ومكان. فأبناء كلّ عصر وأبناء كلّ بقعة، لدَيهم إيمان بالقرآن، هُمْ في علاقة حميميَّة بالنصِّ، الذي يُضفي المعاني على حياتهم. وهُمْ بِدَورهم يَغوصون في النص، فيستخرجون منه معانِيَ جديدة من موقعهم، ومِن عِلمهم، ومن خبْرَتهم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.