الرئيسية > رأي عام > مقالات > مَواقع تَواصُل أمْ تَقوقُع اجتماعيّ؟!
كريستينا بطرس (لبنان)

مَواقع تَواصُل أمْ تَقوقُع اجتماعيّ؟!

الثلاثاء ٢٠١٩/٩/١٠م   |   ١٤٤١/١/١١ هـ

خلال سنوات دراستي الجامعيّة، كنتُ في صدد الإعداد لورقةٍ بحثيّةٍ تُحلّل مضمون الرَّسائل الإعلاميّة لتنظيم داعش، من خلال الاستعانة بعددٍ من الفيديوهات على موقع يوتيوب. في لمْحَة، وبعد مشاهدتي الفيديو الأوّل، تبدّلَت ملامح هذا المَوقع على هاتفي، وبات مكتظًّا باقتراحات فيديوهات عن “أبطال هوليوُود داعش”، و”فيلم داعش الذي بَهَر السينمائيِّين بتِقْنيّاته الهوليوُوديّة”، وغيرها من مشاهد العنف والقتل.

ما رأيتُه ليس بصُدفةٍ، ولا بدَّ أنّكم(نّ) لاحظتم أمرًا مشابهًا خلال تَصفُّحكم(نَّ) مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، أو محرّكات البحث (مثل غوغل)، حيث تَظهر أمامكم(نّ) إعلاناتٌ متعلّقةٌ بأشياء، قمتم بالبحث عنها سابقًا، أوْ لها ارتباط بمنطقتكم الجغرافيّة. فتقُوم هذه المَواقع بتحديد هُويّتنا واهتماماتنا، عن طريق سِجلّ البحث، أو المنشورات الَّتي نتفاعل معها، أو المعلومات الشَّخصيّة الَّتي نُدخلها، أو حتَّى مَوقعنا الجغرافيّ. وعلى أساسها، تُوجِّه أو تَقترح لنا المَواقع، هذا المحتوى أو ذاك. يجري ذلك بإذننا طبعًا، عندما نوافق على لائحة الأحكام والشُّروط، عند تحميلنا لهذه التطبيقات.

إنّها لعبة الخوارزميّات (Algorithms)، الَّتي تُخمِّن بطريقة مبرمَجة المحتوى الَّذي نودُّ أن نراه، أو الآراءَ والأفكار والأخبار الَّتي نودُّ الاطِّلاع عليها؛ بهدف أن تَخلق لنا مساحةً خاصّةً تُشْبهنا، في فضاءٍ افتراضيٍّ غير محدود. وفي المقابل، تُؤَمّن الاستدامةَ المادِّيّة لهذه المَواقع، من خلال إبقاء المستخدِمين/ات ناشطِين/ات عليها باستمرار.

هذه المساحة المبرمَجة، أثارت في الفترة الأخيرة مَوجةً من الانتقادات، بحُجّة أنّها تُوجِّه المحتوى بشكل يعزّز معتقداتنا الحاليّة، وسُمِّيَت بـ”فقّاعات مَواقع التَّواصل الاجتماعيّ” (social media bubbles)، كما أَطلَق عليها النَّاشط في الحقوق الرَّقميّة إيلي باريسر.  تَكمن المشكلة في أنّ هذه الفقّاعات تؤثّر بشكل غير مباشر في الدِّيمقراطيّة، وتساهم في تعزيز التَّطرّف الفكريِّ والسِّياسيِّ والدِّينيِّ، لِكَونها تُعرّض المستخدِمين/ات لخطابٍ أُحاديٍّ؛ فتَجعلهم أكثر عُرضةً للتَّضليل، ولِلتَّعامل مع الأخبار الزَّائفة على أنّها حقائق. فتقُوم هذه المَواقع بتحديد شكل عالَمنا الافتراضيِّ ومَضمونِه، ليعُود هو بِدَوره ويحدّد حقائقنا واهتماماتنا. فنصبح محاصَرِين/ات في حلقة نسمع فيها صدى أفكارنا نحن فقط، علمًا أنّ هذه الفقّاعات لا تَطُول كلَّ مستخدِمي/ات هذه المواقع؛ إنّما الأشخاص الَّذين يميلون إلى متابعة الأفكار الَّتي تُشْبههم فقط.

لقد استغلّ المُعلِنون والسِّياسيّون حتَّى المتطرّفون المستخدِمون/ات للعنف، هذه الثَّغَرات التِّكنولوجيّة، للوصول إلى الفقّاعات الَّتي يريدون، وتوجيه رسائل محدّدة، ومِن ثَمَّ الإقناع بمنتَجاتٍ أو أفكار أو خِيارات سياسيّة ودينيّة محدّدة. فبات معلومًا كيف تَستخدم الجماعاتُ المتطرّفة العنيفة هذه الفقّاعات، من أجل التَّرهيب والتَّجنيد، والتَّحريض على أعمال التَّطرّف العنيف والإرهاب. وفي دراسة أعدّتها Foreign Policy، أظهرَت أنَّ مستخدِمي/ات يوتيوب يمْكن دفعُهم إلى فقّاعة إيديولوجيّة غامرة. فبمجرَّد أن يتفاعل المستخدِمون/ات مع محتوًى عنفيٍّ أو متطرّف، يجري اقتراح محتوًى مشابِهٍ لهم/هنَّ، في كلّ مرّة يزورون فيها المَوقع. إضافةً إلى ذلك، تَبيَّن في عام 2013 أنّ تويتر يقترح للمستخدِمين/ات الَّذين يتابعون تنظيم القاعدة، عددًا من الحسابات المتطرّفة العنيفة المشابهة.

بلا شكٍّ، لهذه الظَّاهرة تأثير سلبيٌّ محتمَل في الدِّيمقراطيَّة من جهة، وفي الخطابات السِّياسيّة والدِّينيّة المعتدِلة من جهة أخرى. فالدِّيمقراطيَّة تتطلّب منّا رؤية المسائل من وجهة نظر بعضنا بعضًا، ولكنّنا -بدلًا من ذلك- أصبحنا نعيش أكثر فأكثر في الفقّاعات الخاصّة بنا. ويتطلّب الاعتدالُ الاعتمادَ على الحقائق المشترَكة، ولكنَّنا أيضًا -بدلًا من ذلك- أصبحنا نعيش في أكوان متوازية غير مشترَكة، نكون فيها عُرضةً للتَّضليل.

الأهمّ: كيف يمْكن التَّخلّص من هذه الفقّاعات إذا ما وُجدت؟

إنَّ الخطوة الأولى للخروج من هذه الفقّاعات تقع على عاتق المستخدِمين/ات أنفسهم/هنّ، من خلال الوعي بالتِّقْنيّة الَّتي تعمل على أساسها هذه المَواقع، وبالآليَّة الَّتي تصِلُهم بها المعلومات، والسَّعي لتوسيع مَداركهم/هنّ عبْر الاطِّلاع على أفكار مخالفة ومعارِضة لهم/هنّ. وقد تساهم برامج الثَّقافة الإعلاميَّة (Media Literacy) في نشر التَّوعية، الَّتي باتت ضرورةً مُلِحَّة في عصرنا. ومن الجدير أيضًا، أن تعمل مَواقع التَّواصل الاجتماعيِّ ومحرّكات البحث، على تطوير آليَّاتها التِّقْنيّة لمواجهة هذه الظَّاهرة، عبْر الحدّ من انتشار المحتوى العنفيِّ والمتطرّف على صفحاتها، ومن الأفكار المشابهة والأُحاديّة المقترَحة للمستخدِمين/ات، وتقديم اقتراحات متنوّعة تعزّز ثقافة التَّعدُّديّة لدَيهم/هنّ.

أخيرًا، يمْكن للمبادرات الإعلاميّة البديلة، أن تَخلق خطابًا موضوعيًّا على مَواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، لتَخرق من خلاله فقّاعات التَّطرّف، من أجل العيش معًا بسلام، في العالم الافتراضيِّ كما في الواقع!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.