الرئيسية > رأي عام > مقالات > مِن فَوق البُرج العاجِيّ
أمل الحارثي (الأردن)

مِن فَوق البُرج العاجِيّ

الأربعاء ٢٠١٨/٩/٠٥م   |   ١٤٣٩/١٢/٢٥ هـ

كنتُ قد قرأتُ يومًا طُرفةً عن طفل من أسرة ثريّة، طُلب منه في حصّة التعبير أنْ يتخيّل نفسه فقيرًا، ويعبّر عن إحساسه بالكتابة. فكتَب الطِّفل: “كنّا نعيش أنا وعائلتي في قَصْرٍ فقير جدًّا. كان الأثاث قديمًا. أمّا الخدم، فكانوا يَلبسون ملابس مهترئة”.

لا أعرف هل كانت الطُّرفة المتناقَلة صحيحة، أم مجرّد نكتة يتناقلها الناس. لكنّي تذكّرتُها فَور أنْ سمعتُ إحدى “خبيرات الاقتصاد المنزليّ”، في إحدى القنوات التلفزيونية العربية، تُدْلي بنصائحها الذهبيّة للمرأة في بلدها، الذي يعاني أزمةً اقتصاديّة ضخمة، وترتفع فيه معدَّلات الفقر والبطالة، موضّحةً أنّ في إمكان المرأة أنْ تقتصد في هذه الظروف الاقتصاديّة الصعبة، بالتقليل مِن الخروج إلى المطاعم. فبدلًا من ثلاث مرّات في الأسبوع، مرّة واحدة تكفي. واسترسلَت الخبيرة في إضافة مجموعة مِن النصائح المشابهة، والتي تلقَّفها شباب “السوشيال ميديا” وشابّاته، كطُرَف مُضحكة مُبكية في آنٍ معًا.

لسْتُ في صَدَد الحديث بالإعلام، الذي يستمرُّ في إدهاشنا يومًا بعد يوم، بالهُوّة الشاسعة بينه وبين المُواطن، ولا بالضيوف الذين لا يُشبهون عامّة الناس، ولا يَعرفون همومهم، حيث باتَ مِن الواضح أنّ الإعلام في وادٍ، والواقع في وادٍ آخر. لكنْ، ما يُدهشني فعلًا، هو تلك الفجوة بين طبقتَيْن من أبناء الوطن الواحد، واتّساعُ المسافة بينهما، حتّى بات مجرَّدُ تخيُّل أحوال البسطاء مِن الناس، غيرَ مُمكن.

اِنفصال تامٌّ، باتَ يُعزَّز أيضًا باستخدام فُنون العزل عن العامّة. ولعلّ أفضل الأمثلة على ذلك، تلك المُجمَّعات السكنيّة الضخمة في دول عربية شتّى، التي تُبنى في أماكن معزولة جغرافيًّا، وتحوي كلَّ ما تحتاج إليه فئة معيّنة من مَيسُوري الحال، من خدمات ومدارس ومستشفيات ونوادٍ، بحيث لا يضطرُّ المرء إلى أنْ يَخرج إلّا للضرورة. مجمَّعات بدَا الهدف منها الأمن والأمان للسكّان، ولكنّها تحوّلت إلى مدن داخل المدن، تَعزل طبقةً من الناس وعوائلهم عن أبناء وطنهم؛ فلا يَشعرون بحالهم، ولا يشاركونهم في أفراحهم وأحزانهم.

الفجوة ازدادت، وازدادت معها مشاعر الغَبْن والاحتقان. المُقتدِر يُسافر ويتعلَّم، ويتعرَّف إلى الثقافات والتنوع والانفتاح، ولكنه عندما يعُود، لا يؤثِّر تأثيرًا إيجابيًّا؛ إذ إنَّ أكثر مَن يحتاجون إلى هذا التأثير، يَبعدون عنه جغرافيًّا ومعنويًّا، بعكس الحال في عقود سابقة، حيث ساهمَت المِنَح الحكومية المقدَّمة للمتفوِّقين، في إحداث هزَّة ثقافيّة إيجابية. مِنَح لم تَعُد تُقدَّم اليوم لمن يحتاج إليها في الدول الفقيرة، بل أصبحَت تُعطى كهباتٍ لأبناء المسؤولين في الدول التي ينتشر فيها الفساد، وهُم الأقَلُّونَ احتياجًا إليها. فخسِر الفقير آخر قشَّة كانت ستنتشله وأهْلَه من وحل الفقر، وهي: التعليم الممتاز. والماضي ممتلئ بقصصِ عُظَماءَ في الأدب والفن والعلوم، يَنتمون إلى أُسَر فقيرة، تعلَّموا في الخارج، وعادوا ليكُون لهم أروع تأثير.

لستَ في حاجة إلى أنْ تَعيش كما يعيش المواطن ذو الدَّخل المحدود، كي تَعرف حجم معاناته. فالحِسبة بسيطة إذا ما علمْتَ متوسّط الدَّخل في بلدك، وتَكْلفة استخدام المواصلات، والمحروقات، والضرائب التي لا تنتهي. حِسبةٌ بسيطة، لو قامت بها “خبيرة” الاقتصاد المنزليّ، لَعلمَتْ أنّ المواطن العادي الذي يمثّل أغلب عدد السُّكّان، لا يرتاد المطاعم ثلاث مرّات أسبوعيًّا، والكثير منهم لا يرتادون المطاعم أصلًا. أمّا المرأة العربية بالمجمل، فهي خبيرة بالاقتصاد أكثرُ من خبيرات التلفزيون، وتَعرف تمامًا كيف توفّر عند شراء الحاجيّات، وهي لا تحتاج إلى مَن يُخبرها كيف تقتصد في منزلها. هي في حاجة إلى أنْ تطمئنَّ إلى أنَّ ابنها يتلقّى تعليمًا جيّدًا في المدارس، وتطبيبًا ممتازًا في المستشفيات، وغذاءً متكاملًا في المنزل، وفُرَصًا متكافئة عندما يغدو شابًّا.

لا تقتصر الأزمة على الإعلام وضيوفه فقط، بل تشمل الكثير مِن الراغبين في العمل العامّ ومؤسّسات المجتمع المدنيّ. الرَّغبة في التأثير الإيجابيّ، لا تَشفع لهؤلاء في قلّة خبرتهم على الأرض. فَلِلعمل العامّ متطلّباته، والخطابُ الذي يُرجى منه التأثير، يجب أن يراعي أحوال الناس وظروفهم، وأيضًا يستلزم أحيانًا التنقّلَ بين المدن والقرى والأحياء، وتكوينَ شبكة مَعارف من كلّ القِطاعات، وأهمّها المحامون، وهم الأكثرون خبرةً بأحوال الناس ومشاكلهم، بالإضافة إلى القراءة المستفيضة في كلّ صغيرة وكبيرة.

أمّا أنْ يَجلس أحدُهم في بُرْجه العاجيِّ المنفصل عن الواقع، ويقوم بالتنظير على الناس مِن ارتفاع شاهق، فهو لا يُسيء لأحد بقدر إساءَته لنفسه.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.