مصطفى سعدون (العراق)

نحن لم ننتصر!

الخميس ٢٠١٩/٧/١٨م   |   ١٤٤٠/١١/١٦ هـ

ما زال العراق أمام استحقاقات عديدة، رغم إعلانه قبل أكثر من عامَين “النصر” على تنظيم “داعش”، وأوَّلُها وأهمُّها تقديم الخدمات للمواطنين/ات. وقد اختُصر فهمُ كثير من المعنيين لمصطلح “النصر”، في أنه “تلك المعارك التي خِيضت ضد دول، أو ضدّ تنظيمات إرهابية”.

لسنا أمام قصة تتعلق بتفسير المصطلحات، لكننا أمام تساؤلات عديدة، لا تتعلق ربَّما جميعُها بهذا النظام السياسي، الذي أُسِّس بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بل حتى قبْل العقدَين اللَّذَين سبقاه. والسؤال الأساسي بعْد كلِّ تلك السنوات: “هل انتصرْنا على الإرهاب؟”. بكل تأكيد: لا. فنحن لم ننتصر برأيي على الإرهاب، الذي يَنخرُنا ومؤسَّساتِنا ومجتمعَنا واقتصادَنا وكلَّ ما يتعلق بهذا العراق. الإرهاب بالنسبة إليَّ، هو “ذلك الفعل أو الإجراء الذي يحُول دون تقديم الخدمة للإنسان”.

في عراق ما بعد عام 2003، صار الإرهاب متعدِّد الأوجُه، ولم يكُن مجرَّد سيّاراتٍ مفخَّخة، أو عُبوات ناسفة، أو أشخاص ينتمون إلى تنظيمَي القاعدة و”داعش” وغيرهما، بل كان عبارة عن سلوكيّات مجتمعيّة، وأحزاب سياسية، وخطابات إعلامية، ورجال دين وسياسة، وأشياء أخرى. ونحن -المواطنين العراقيِّين/ات- ما زلنا نعيش حالة الترهيب، بسبب إرهاب غياب الدولة والخدمات وفُرَص العيش الكريمة. فـ”الانتصارات” التي يجري الحديث فيها، هي انتصارات تتعلق بملفٍّ واحد، وهو العسكري، حتى إنّ الملفَّ الأمْنيَّ لم يتحقَّق فيه النصر الكامل، بسبب وجود بقايا الإرهاب في عدد من المناطق.

يُمكن للدول والحكومات أن تنتصر من دون أن تخُوض في الحروب، ودون أن تُطلق رصاصة واحدة. فمفهوم الانتصار يتعلق بمدى تمتُّع الإنسان بالكرامة داخل حدود بلده، وبمقدار دخْله السنوي، وبمدى استجابة الحكومة لاحتياجاته. فأغلب دول العالم مُنتصرة من دون حرب. لكن، كيف انتصرت هذه الدول من دون حرب؟ إنَّ الخدمات الصحية انتصار على المرض، والخدمات التعليمية انتصار على الجهل، والتطوير الاقتصادي انتصار على الفُقر، والطُّرق المُعبَّدة انتصار على حوادث السير، والشفافية انتصار على التضليل، والعدالة انتصار على الظُّلم. كلُّ هذه، هي انتصارات من دون أن تسيل قطرة دم واحدة.

في العراق ويا للأسف، صار بعض الساسة يتفاخرون بأن أحزابهم أو مذاهبهم أو مناطقهم، أعطت أكثر عدد من القتلى في هذه الحرب أو تلك، وكأنهم يفخرون بالموت لا بالحياة، في حين تعيش عوائل هؤلاء الذين يفخرون بهم في واقعٍ مُزْرٍ، لا يجد أغلبهم عوامل الحياة الكريمة، التي أفنى ذَوُوهم حياتهم من أجلها. وأيضًا في بلد يزخر بالثروات الطبيعية والبشرية، يجب أن يكون كلُّ شيء منتصرًا، ويجب أن تكون الحياة فيه موازية لِمَا يمتلك من مؤهِّلات، تجعل منه بلدًا قادرًا على توفير الاستقرار لمُواطِنيه، وعلى تحقيق الحدِّ الأدنى من الرفاهيَة والكرامة لأبنائه الذين تأكلهم الحروب.

هذا النظام السياسي الجديد الذي أعقب نظامَ البعث، سَوّق هو الآخر أحيانًا لانتصارات وهميّة كثيرة، لكنه نسي أو تناسى، أن ينتصر لنا ممّا خلَّفَته سنوات صدّام حسين، من فُقر وجهل وتغييب وظُلم؛ فانتصر علينا. وما لم يكن موجودًا أو ظاهرًا، فعَلَه بنا، وبدلًا من أن يُخفِّف من المعاناة، زادها. فعاش العراقيون/ات مراحل خذلان كثيرة، وصوَّرَت لهم السُّلطات أنهم “منتصرون”، لكنهم في الحقيقة كانوا حطَبًا لحروب واقتتال، لأجْل مصالح مَن هُم في السُّلطة. فأيُّ حديث حول نصْرٍ في هذه البلاد، ما هو إلّا ضربٌ من الخيال، وتخدير لملايين الناس!

إنَّ حرْبَي إيران والكويت ليستا نصرَين، ولا الحرب الطائفية أيضًا. ثم إنَّ طرْد تنظيم “داعش” ليس نصرًا يجب أن يفخر به العراقي طوال حياته، بل ما يجب أن يفخر به هو جوازه بين الدول الأخرى، وجودة تعليمه، ومستوى نظامه الصحي، ومستوى خطوط النقل العامّ، ومدى توَافُر البيئة الصالحة، وتَدنِّي نسبة خط الفقر وما تحته، ورفع نسبة الإنتاج الوطني.

مع أن للنصر العسكري أهميته الكبيرة، إلا أن ملف الخدمات لا يقل أهمية عنه. ما يجب أن نفخر به، هو ذلك الشيء الذي يُساعد الإنسان على تَطوير حياته، ويُساعده أيضًا على أن يكُون مُحترمًا، ويتمتع بكرامة عالية داخل حدوده وخارجها. وما عدا ذلك، فإننا لسنا فيه من المنتصرين.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.