الرئيسية > رأي عام > مقالات > نسبيّة الحقيقة والمعتقدات المطلقة
فادي ضو (لبنان)

نسبيّة الحقيقة والمعتقدات المطلقة

الخميس ٢٠١٧/١٢/١٤م   |   ١٤٣٩/٣/٢٦ هـ

 

عادةً ما يعتبر الناس الحقيقة مطلقة، غير قابلة للنقاش، في حين يقبلون اعتبار آرائهم نسبيّة، يمكن أن تخضع للنقد والتبدّل. يعتقد هؤلاء أنّ هذا الموقف يتطابق مع قول الإمام الشافعي: “رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غَيري خطأ يحتمل الصَّواب”، فيطبّقون هذه القاعدة على ما يحتمل الظنَّ من المسائل، ولكن دون أن يصل ذلك إلى المسلّمات. وبذلك، يُميّزون بين الحقيقة والرأي، ويضعون الحقيقة خارج نطاقَي المُساءلة والنقد وحتى الحوار، لِكونها من المسلّمات؛ فتصبح الحقيقة قاعدة تتولّد منها الأفكار والمواقف والآراء، كالمياه التي تتدّفق من النبع وتشكّل أنهارًا وسواقي، تذهب في اتجاهات مختلفة. وغالبًا ما لا يتنبَّه هؤلاء على أنّ أفكارهم وآراءهم وتصرّفاتهم هي وليدة، أو على الأقل متأثّرة بالمسائل التي اعتبروها في مصافِّ الحقيقة المطلقة.

لكن يبقى السؤال: هل نستطيع حقًّا التمييز بين الحقيقة والرأي؟ وهل يكفي أن يعتقد بعض الناس فكرةً ما على أنّها حقيقة لكي تُصبح مطلقة، أم أنّ كل فكرة تبقى رأيًا نسبيًّا لا يُمكن أن يُفرض على الآخرين، في زمن كرّست فيه ثقافة حقوق الإنسان حريّة الفكر والمعتقد، وتحرّر العقل من سلطة السلطة، وأصبح أكثر ارتباطًا بسلطة المنطق والعلم؟ صار الإنسان اليوم، وخاصة الذي هو أو هي في عمر الشباب، يبحث عن اعتقاد ما يقتنع به، أكثر من البحث عن الاقتناع بما يعتقده. فالاقتناع بالشيء يُوَلِّد اعتقادًا لا حقيقة، حتى ولو تَشارك الكثير من الناس في هذا الاعتقاد. فليس اعتقادك أمرًا ما على أنّه حقيقة، يجعله حقيقة بالنسبة إلى غيرك. الاعتقاد يبقى رأيًا، وإن كان في نظر صاحبه حقيقة مطلقة.

لا بدّ هنا من التمييز بين الحقائق ذات الطابع العلمي أو الاجتماعي، والحقائق المرتبطة بالمعتقدات، وخاصة المجرّدة منها، مثل المعتقدات الدينيّة. إنّ الحقائق العلميّة خاضعة لمبدأ البحث والتطوّر العلمي، والحقائق الاجتماعيّة خاضعة لتطوّر المنظومة القيميّة في المجتمعات محلِّيًّا وعالميًّا. وبهذا المعنى، اعتبار هذه الحقائق من المسلّمات، لا يمنع من الاستمرار بتطويرها وتكييفها مع الاكتشافات العلميّة والمتغيّرات الاجتماعيّة؛ فهي متينة بما يكفي لِأَنْ يُبنَى عليها الطرق السليمة للتعامل مع الطبيعة، ولتأمين استقرار المجتمعات وتنميتها. ولكنّها أيضًا نسبيّة لأنّها نتاج الإنسان الذي لا يفتأ يتخطى ذاته ونتاجه باستمرار.

أما في مسائل الاعتقاد الديني، فغالبًا ما يُبنى الإيمان على التسليم بحقيقة مطلقة، تنطبق في نظر المؤمن عليه وعلى البشريّة جمعاء. فالمؤمن، أمُسلمًا كان أم مسيحيًّا أم هندوسيًّا، يتبنّى فهمًا للحياة والوجود وَفْقًا لدينه، ويعتبره ساري المفعول على من آمن به، وعلى من لم يُؤمن. على سبيل المثال، يعتقد بعضهم الحياة بعد الموت التي يرتبط مصيرها بالحساب في نهاية هذه الحياة على الأرض، على أساسَي الثواب والعقاب؛ فيعيش من يعتقد ذلك حياته آخذًا بالاعتبار هذا المعتقد، لكي يكسب حياته الأبديّة. ويشمل باعتقاده هذا أيضًا كل البشر، حتى هؤلاء الذين لا يعتقدون مثله، أو لا يعتقدون الحياة الثانية بعد الموت أصلًا. وبناءً على ذلك قد يهتمّ لمصيرهم، ويدعوهم إلى الإيمان مثله، ليخلّصوا أنفسهم. فمِن حقّ الإنسان أن يتبنّى معتقدات، وأن يعتبرها شاملة للجميع، وأنّها مطلقة. ولكن يبقى ذلك كلّه بالنسبة إليه. فمعتقده الشامل والمطلق، لا يُصبح حقيقة شاملة ومطلقة للجميع، بفعل اعتقاده هو ذلك. فقد يعتقد غيرُه عكس ما يعتقد هو، ويعتبره مُطلقًا أيضًا. إنّ تحرّر الإنسان والمجتمعات من السلطة القمعيّة، والاعتراف بحريّة الفكر والمعتقد، يجعلان تلقائيًّا من كل حقيقةٍ نسبيّةً، مع الاعتراف بحقّ الأفراد في اعتبار معتقداتهم مطلقة.

يدعونا ذلك إلى التمييز بين الخطابَين الخاص والعام. فالخطاب الخاص، الديني مثلًا، هو المُقدّم لمجال خاص، كالجماعة الدينية المؤمنة بهذا الخطاب. وفي هذا السياق تأخذ المعتقدات المطلقة مجالها الطبيعي، وإن بَقِيَ التنوّع في فهمها وتفسيرها سِمة كل الجماعات الدينيّة. أمّا الخطاب الخاص في المجال العام، فحيث يجوز التعبير عن معتقد خاص ومطلق، لشخص أو جماعة، وطَرْحُه في الرأي العام، على شرط قبول أنّه في الحيّز العام؛ فيُصبح هذا الخطاب نسبيًّا وخاضعًا للنقد والنقاش والحوار. وأمَّا الخطاب العام في المجال العام، فهو نسبيّ بأصله ويُبنى على البحث المستمرّ عن الصالح العام، وفق الظروف المختلفة والمتغيّرة. وفي الحالات الثلاث نستنتج أن الحقيقة هي دائمًا نسبيّة في المجال العام؛ أما المعتقدات الخاصة، فيمكن أن تكون مطلقة داخل دائرتها الخاصة. إنّ اعتماد هذا المبدأ قيميًّا وقانونيًّا، يُوَفّر علينا الكثير من التشنّجات والصراعات باسم الدين والمقدّسات. فأسوأ ما يمكن أن يتعرّض له المقدَّس هو أن يُستعمل حجّة للقمع، أو مادة للصراع.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

 

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.