الرئيسية > رأي عام > مقالات > نور السماوات والأرض
عامر الحافي (الأردن)

نور السماوات والأرض

الجمعة ٢٠١٨/١١/٣٠م   |   ١٤٤٠/٣/٢٢ هـ

النور هو ألطف الموجودات التي تملأ السماوات والأرض، وتَسلب لبَّ الإنسان وتحرِّك مشاعره وتفكيره. فبالنور يمتاز الليل عن النهار، وبه يظهر جمال الكائنات واختلاف ألوانها وأشكالها، وبه تهدأ نفوس التائهين والحائرين، وبه يهتدي الناس إلى سُبُلهم ويبلغون غاياتهم.

النور هو اسم من أسماء الله الحسنى، التي تعبِّر عن حقيقة ذاته تعالى، كما يقول الغزالي في “مشكاة الأنوار”: “وجعل اسمَه تعالى النورَ دالًّا على التنزُّه عن العدم، وعلى إخراج الأشياء كلِّها عن ظُلمة العدم إلى ظهور الوجود”. وقد ورد لفظ “النور” في القرآن الكريم على معانٍ عديدة، منها: الهداية، الإيمان، القرآن، الكتب الموحاة، الإشراق والضياء، المعرفة، البيان والوضوح، النبي، الحجج والدلائل، العدل، التدبير. وجميع معاني النور التي تعدَّدت وتنوَّعت، تُرشد إلى حقيقة واحدة وتدلُّ على الخير والجمال والكمال.

من أكثر الآيات القرآنية جمالًا وتأثيرًا في النفوس، هي قوله تعالى: {اللَّه نورُ السَّماواتِ والأرضِ مثلُ نوره كمشكاةٍ فيها مصباحٌ المصباحُ في زجاجةٍ الزّجاجةُ كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ يوقدُ من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ يكادُ زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ نورٌ على نورٍ يهدي اللَّهُ لنُوره من يشاءُ ويضربُ اللَّهُ الأَمثال للنَّاس واللَّهُ بكلّ شَيءٍ علِيمٌ} [النور: 35].

إن مَثل نور الله كَمِشْكاة، وهي تجويف داخلي في الحائط لا يَنفذ إلى خارجه، وفي داخل المشكاة مصباح. وهذا كناية عن صدر المؤمن وقلبه. وكان يمكن أن يقول: “مَثل نوره كَنُور الشمس في السماء”، لكنه جعل مثال قلب الإنسان. وهذا أبلغ تعبيرًا عن النور الإلهي، لِكونه مستودَع معرفته الأعظم.

وقوله “يَكاد زيتها يُضيء”، يعني لشدة نقائه وصفائه واستعداده الذاتي، يوشك أن يضيء من تلقاء نفسه دون أن تمسَّه النار. فإذا مَسَّتْه نار الهداية الخارجية ازداد نورًا وإشراقًا، واكتملت الأنوار “نور على نور” . فالله هو باعث أسباب الهداية والمعرفة في الإنسان، من خلال غرسه أسباب الهداية في أرواح الأنقياء، ثم إرسالِه رسله بالهداية والإرشاد إلى الناس أجمعين.

في المسيحية، نجد انسجامًا كبيرًا مع تلك المعاني التي أشار إليها القرآن. فالإنجيل يُخبرنا بأن الله هو نور: “إِنَّ الله نورٌ وليسَ فيهِ ظُلمةٌ البتَّةَ” (1 يوحنا 1: 5). ويصف المسيح كذلك نفسه بأنه نور العالم ما دام فيه (يوحنا 9: 5). وفي إظهار صلة النور بالله ومعاني الهداية والإيمان والمعرفة، يقول المسيح عليه السلام: “فسيرُوا ما دامَ لكمُ النُّورُ لئلاَّ يُدرككمُ الظَّلامُ. والَّذي يسيرُ في الظَّلام لا يعلمُ إلى أين يذهبُ. ما دامَ لكُمُ النُّور آمنُوا بالنُّور لتصيرُوا أبناءَ النُّور” (يوحنا 12: 35-36).

بعيدًا عن النظرة الروحية إلى النور، نجد النظرة العَقَدِيّة الدفاعية قد تركَّزت على إثبات بطلان عقيدة المخالفين، أكثر من التفاتها إلى المعاني الروحية العابرة للمعتقدات. أيضًا نجد ذلك عند الإمام الرازي في تفسيره: “ليس هو النور المحسوس، لأنه لو كان هو الله لوَجَب أن لا يزول… وبمجموع هذه الدلائل يَبطل قول المانَوِيَّة، الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم”. بل نجد الرازي يُعارض الإمام الغزالي، الذي ألَّف كتابًا خاصًّا في تفسير آية النور أسماه “مِشْكاة الأنوار”، باعتبار أن الغزالي زعم: “أن الله نور في الحقيقة، بل ليس النور إلا هو”. وفي نهاية المطاف يعُود الرازي ليَجمع بين قول الغزالي وقول المفسِّرين بقوله: “يَرجع حاصله بعد التحقيق، إلى أن معنى كونه سبحانه نورًا، أنه خالق للعالم وأنه خالق للقوى الدَّرَّاكة”.

أمام استمرار حالة الانفصال بين التنوير الروحي والتنوير العقلي الفلسفي، والتي تمثَّلت بالخطاب الصُّوفي للإمام الغزالي في كتابَيْه “تَهافُت الفلاسفة” و”المنقذ من الضلال”، أو بما يُذْكر من اختلاف بين ابن رشد والشيخ الأكبر؛ فإننا اليوم أحوج ما نكُون في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، إلى اكتشاف الأنوار العقلية التي أودعها الله في العقل الإنساني، والتي من شأنها أن ترتقي بمعارفنا الدينية والدنيوية، بما يَنفع الخلقَ ولا يَحجُبهم عن نور الحق.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.