تانيا عوض غرّة (لبنان)

هجرة السنونو

الخميس ٢٠٢٠/٩/١٧م   |   ١٤٤٢/١/٣٠ هـ

حلَّ أيلول/سبتمبر، الذي ترحل معه طيور السنونو، ويبتل طرفه بأول زخات المطر. حل أيلول لبنان هذا العام مختلفًا. فقد سبقه آب/أغسطس اللهاب، وابتل الرابع منه بكل دموع الناس، وسرق ما تبقّى من أحلام أولادنا بالبقاء. فحملوا حقائبهم وآمالهم، وهرعوا إلى أماكن “طبيعية”، ليدرسوا ويبحثوا ويؤسسوا ويفرحوا ويتنقلوا بأمان.

منذ عام ونحن نتحضر لسفر ابني إلى باريس للدراسة الجامعية، وكنت بأنانيتي البشرية بوصفي أمًّا، مترددة قليلًا. فهو لا يزال صغيرًا، مع ظنِّه أن سن الثامنة عشرة مفتاح لعلبة سحرية من الرشد والاستقلالية. ومع مرور الأشهر، واشتداد الأزمة الاقتصادية، وبعد التحقق من حصوله على ثقافة وتعليم أوسع لفتح إمكانيات المستقبل له، أصبحتُ داعمة له.

اشتدت الصعاب أكثر، وشحّ المال والعمل، ووضعت المصارف يدها على جنى عمرنا. قالوا لنا: “لن نرسل أموالكم إلى أولادكم في الخارج إذا رحلوا هذه السنة”. تغير أسلوب حياتنا، ونسينا مواسم التنزيلات والأعياد والمناسبات، وارتعبنا. فكيف نرسل ولدنا إلى بلاد الغربة، وسط خطر عدم قدرتنا على دعم استمراريته مادّيًّا؟ رُحنا نفكر في إمكانية اختيار تخصص موجود في جامعاتنا، باعتباره خيارًا متاحًا. فتوالت مصائبنا على الصعيد الحكومي والإداري والمالي، وانتفضنا، وقررنا المحاولة حتى آخر رمق، لأن من لا يحاول لا ينال. وهكذا حصل. لملمنا قروشنا، جمّعنا أوراقنا، وتَقدم ابني والعشرات من أصدقائه لطلب “فيزا”.

جاء شهر آب. شهر قضى على ما تبقّى منا. في الساعة السادسة وسبع دقائق، تَوقف النفَس والمنطق والزمن، وكدتُ أخسر ابني الذي طار عن كرسيه مع تطاير الزجاج. قدرة إلهية حمَت جميع من كان في المكان، الذي لم يبق فيه جدار أو واجهة. لحظات لا أتمناها لأي أهل. كانت تلك اللحظات، التي انتظرتُ فيها إجابة على الطرف الآخر من الهاتف. فسمعته يقول: “أنا بخير”. كان بخير فعلًا، ولم يُصب إلا بخدوش بسيطة. لكن، ما رآه في الشارع هو إصابة أصعب وأعمق: أطفال وشيوخ ونساء ورجال مُدمَّون، أو فاقدون لأذرع أو أعين، يسيرون مثله بضياع وسط الشارع. وسرعان ما اكتشفنا أن قصته تحاكي آلاف القصص، وسرعان ما اكتشفنا هول الكارثة، وإصابات الأصدقاء والأقارب وخسائرهم.

احتضنتُ ابني وتلذذت بسماع نفَسه ودقّات قلبه، مع شعوري بالذنب لكوننا من “الناجين”، وسط الكم الهائل من الإصابات والأهل المفجوعين. في اليوم التالي، نزلتُ مع أولادي إلى أكثر الشوارع تضرُّرًا، حاملين المكانس والقفازات والكمّامات، ورحنا ننظف آثار الزجاج والحجارة والحديد، وسط بحر من الشباب والصبايا والبشر، الذين دفعتهم نخوتهم ومحبتهم. رأيت ابني الذي كاد يصبح رقمًا بين الضحايا، يلملم آثار آلة الموت التي دمرتنا. فأصبح السفر خلاصًا له، وراحة بالٍ لنا. أيُعقل ذلك؟ رحتُ أصلّي لكي لا تتأزم الأمور قبل رحيله، ولكي لا يُقفل المطار، ولكي لا تُقطع الطرقات، ولكي لا نُقتل مرة جديدة قبل رحيله. أقَلُّه ليكون أحدنا آمنًا سالمًا.

غادر ولدي، ووصل إلى بلاد فيها نظام ومساواة وتنوع وعلم وثقافة. وصل إلى مكان يشبه ما تَعلّمه في الكتب، وما حاولنا تربيته عليه. حدثني بزملائه في المبنى من الآسيويين والإفريقيين بلباسهم التقليدي، وبجامعته وبرفاق الطفولة الذين طاروا معه. كانوا شبابًا وصبايا بأعداد هائلة من كل الطوائف والمذاهب، يرحلون على عجل للِّقاء هناك في أوروبا، بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، وينسقون اللقاءات في العُطل القادمة، ويتحدثون بالاختصاصات والطبخ وشراء الحاجيات. عمر وجورج وإيلي ونور وإيمي ونديم ورالف، والكثير الكثير ممن كانوا بالأمس هنا. رحلوا قبل موسم رحيل السنونو، مع حلم العودة لبناء وطن. أيُمكن لحلم العودة أن يُقتل من أرض العودة؟

أذكر درس الجغرافيا في الصف التاسع، الذي يتحدث بـ”هجرة الأدمغة” خلال حرب لبنان، وكم استغرق مني وقتًا لتفسيره! لم يخطر ببالي لحظة أنه سيأتي اليوم الذي تتحول فيه فكرة السفر للدراسة، إلى هرب من الموت والخطر، أو تتحول إلى ملاذ أخير، وموجة هجرة جديدة.

درسوا التربية المدنية وحقوق الإنسان والمساواة والتاريخ والجغرافيا، تعلّموا حب الوطن وأرضه، فهموا الغنى في التنوع والثقافة والعلم والقيم، تأصَّلوا ورحلوا. لم يعُد الرحيل إرادة، بل أصبح طردًا ممنهجًا للأحلام والآمال.

كما السنونو، رحل صغارنا معًا، رفوفًا رفوفًا، بحثًا عن دفء وطن، وأملًا بالعودة لحضن أرض.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.