الرئيسية > رأي عام > مقالات > هل أنا سُنيّ أم شيعيّ؟
بدر السيف (الكويت)

هل أنا سُنيّ أم شيعيّ؟

الجمعة ٢٠٢٠/٣/١٣م   |   ١٤٤١/٧/١٩ هـ

تُراودني ذكريات الطفولة بين الفَيْنة والأخرى، وأظنُّ أني حَظيتُ بطفولة فريدة دون أن أدري. طفولة عنوانها التنوّع، ولباسها التعدّدية. قُدّر لوالدي أن يعمل في الخارج من أجل بلدي الحبيب “الكويت”، متنقِّلًا بين أكثر من بلد، رافعًا رايتها عقودًا طويلة. لذا، اقتَرن قدَري بالعيش مع شعوب وقبائل، تَعرَّفتُ إليهم منذ نعومة أظفاري، سواءٌ في البحرين، أو اليمن، أو التشِيك، أو سريلانكا، وطبعًا في الكويت أيضًا، قبل الانتقال للدراسة والعمل في الولايات المتحدة وبريطانيا.

التعارف الطُّفولي أخذ أشكالًا عدَّة، مِثل: اللَّهو البريء مع أبناء الجيران، أو التَّناوُش اللطيف مع أفراد الأسرة الكبيرة، أو مع فريق عمل والِدِي المنحدرين من بلدان عدَّة. وفي كلِّ المجتمعات والأحياء التي سَكنتُها، كنتُ أُشارِك أهلَها في أفراحهم وأتراحهم التي كنتُ أعتبِرها أفراحي وأتراحي أنا، وأُشاركهم في مناسباتهم الدينية والثقافية التي كنتُ أعتبرها مناسباتي أيضًا، مِثل: زينة المَولد النبوي وحَلْوَياته، وأدعية شهر مُحرَّم ودُروسه الخلّابة، وترانيم الميلاد وأجراس الكنائس العتيقة. وفي المنزل، كان يَصْدح صَدى تلاوة “الشيخ عبد الباسط عبد الصمد” -الصوت المفضَّل لوالدتي-، وترتفع صلَوات أمِّي الثانية، مُربِّيَتي الكاثوليكية “أوليندا”، وأهازيج دينية مستمرَّة. شاركتُ في ذلك كلِّه ولا أزال، وأصبَح جزءًا من تكويني وهُويَّتي، ولا يزال.

تدرَّبَت عيناي على رؤية السلام في عيون الآخرين، وتَشبَّعَت روحي بفيض المحبَّة من الجميع. كلُّ هذا لم يكن لَولا تضحيات آبائنا وأمَّهاتنا، وحِرصهم على تعليمنا -نحن الأبناء- قَواعد الدين، أينما حطَّت بنا الرِّحال. أيضًا كانت لظروف الماضي دورٌ مُساعِد، حيث انفتاح المجتمعات يَومذاك على بعضها بعضًا، بلا تكلُّف أو رَيب.

لم أُدرك معنى نعمة التنوع، إلَّا بعد أن قصَدني أحد الأصدقاء بسؤال، ظاهِرُه بريءٌ وباطنه مُريب في مجتمعاتنا. سؤالٌ قضَّ مَضجعي: “يا بَدْر، هل أنت سُنِّيٌّ أمْ شِيعيّ؟”. سؤال أتى في مقتبل الوعي خلال سنوات الجامعة الأولى، سؤال حيَّرني أكثر عندما لم أجد له جوابًا، حيث بحثتُ في المَذهَبَين، ووجدْتُني مُواظبًا على مَظاهر المَذهبَين، ولِي في البُستانَينِ زهور أتنسَّمُ عبيرها.

لم تمنعني غربتي عن أهلي من التواصل معهم، لكي أتصالَح ونفسي المستنكِرة، بسبب عدم معرفتي ما يعُدُّه غيري جَوهرًا أساسيًّا من الدين والهُويَّة. فمَن أنا؟ وكيف تشكَّلَت خِيارات حياتي؟ أَذكُر جليًّا قهْقَهة والدي “موسى” عند سؤاله لي: “أليس اسْمِي مُوسى؟ فمَن هُم قَوم موسى؟”. أجَبْتُ: “اليهود يا أبي”. لكنه صوَّب خطئي بقوله: “موسى مُلكٌ لنا جميعًا نحن البشريّة، إذ قدّم لنا قبَسًا استنَرْنا به، وبُنيت عليه بقيَّة رسالاتنا. ثم إنك يا بدر إنسان مسلم. فلا تنْسَ إنسانيتك، فهي امتداد لإسلامك”. أخذتني إجابته غير المباشرة إلى فهْمٍ أعمق؛ إذ أدركتُ عظمة الأُخوّة الإنسانيّة، حيث سُنِّيّتي لا تَمحو شِيعيّتي، وأيضًا شِيعيّتي لا تمحو سُنِّيّتي، وفي رحاب المحبة للآخر فلْيَتنافس المتنافسون/ات.

أستَذكر هذه المعاني كلَّها وأنا أتحسَّر على ماضٍ مضى، فيه بَنُو جيلي لم تَكْوِهِم نار الطائفية المَقيتة، حتى في أحلك الظروف، حين عشنا الحرب العراقية-الإيرانية، مُقابل ما نَشهده اليوم من اصطفاف طائفي، يستجلب الأنا السُّنِّيّة والأخرى الشيعيّة بين أبناء الطوائف منذ الصغر، ويرافقه اصطفاف مُشابِه بين مشايخ الطائفتَين من جانب آخر، حيث خطاب الوئام والمحبة في العَلن، يغلِّفه خطاب الشك والاحتقار في الخفاء. كلُّ ذلك لأنَّ غيْرَنا مختلفون عنّا. ألم يَأْنِ لِلَّذِين آمَنوا أنْ يَتركوا الخَلق للخالق، ويُعاملوهم بأحسن ما عندهم؟

أعيش ذكريات طفولتي بين الفَينة والأخرى، وكُلّي شوق وتَوق إلى شيوع الإنسانية بيننا كما أراد الخالق. وأيضًا مع سوء المنقلَب الحاليّ، ما زلت أرى بُذور الخير، حين نتظافر جميعُنا لتجسيد الأمر الرَّبّاني، بالتعارف الحقِّ ومعرفة مَن حَوْلنا. وقناعتي أنَّ الخلافات الساكنة فينا، سببُها عدم معرفة الآخر، الذي نُضمر تجاهه التَّوجُّس.

معظم الشباب السُّنِّيّ لا يَعلم ممارسات الشيعة ومبادِئَها، فضْلًا عن أسبابها. والشيء بالشيء يُذْكر، عن سُلوك معظم شباب الشيعة تجاه السُّنَّة. لا خير فينا، إنْ لم نؤصِّل ونوثِّق تعارُفنا الهشَّ الحاليّ، بتعارُف متين، حيث نَدخل المساجد والحُسينيَّات، ويَزُور بعضُنا بعضًا، ونستفسر عن معتقداتنا باحترام، ونستنكر كلِّ ما هو غيْرُ محترَم ومشين تجاه الطرف الآخر. إنها دعوة إلى التعارف الحقِّ، الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه، للخروج من هذا التِّيه، والعودة إلى إنسانيَّتنا الحقّة.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.