الرجوع

هل يموت المنتحر كافرًا بقتله لنفسه “عمدًا”؟

الإثنين

م ٢٠١٩/١٢/٢٣ |

هـ ١٤٤١/٠٤/٢٦

عند تَداوُل أخبار الانتحار في مصر ولبنان أخيرًا، والتي أثارت جدلًا واسعًا وتناقلًا على وسائل التواصل الاجتماعي، قد يتبادر إلى أذهان بعضٍ منَّا، ما قاله الممثِّل "عزَّت العلايلي" عند انتحار الجاسوس "رجب عبد المعطي"، في فيلم بئر الخيانة: "عاش خاين، ومات كافر". إذًا، فهل يَقتُل المنتَحِر نفسه عمدًا، فيصبح بذلك كافرًا؟

في مجال علم النَّفس والطِّبِّ النَّفسيّ، لا يأتي الانتحارُ كَفِكرةٍ، أو فِعل مفاجئ يُقْدِم عليه الشَّخص بدون مقدِّمات. أيضًا لا يَنتحر الشَّخص كنتيجة مباشرة لسبب واحد؛ إذ لا بدَّ من مجموعة من العوامل: كصدمةٍ نفسيَّة، أو فقدان شخص مقرَّب، أو تَعرُّضٍ للأذى الجسديّ أو الأذى النَّفسيّ، أو استعدادٍ وراثيّ، أو ضُغوط اجتماعيَّة ومادِّيَّة. فالأمراض النَّفسيَّة والعقليَّة شأنُها شأنُ الأمراض العضويَّة، تأتي لأسباب عدّة وعَوامل مركَّبة، بعضها يُفْضي إلى الموت، وبعضها قد يؤثِّر في ممارسة الحياة بشكل طبيعيٍّ فقط، وبعضها قد يُشفَى منه المرءُ إلى الأبد.

الفارق هنا أنَّ الأمراض النَّفسيَّة والعقليَّة، تُعطينا إيحاءً بأنَّ الشَّخص هو مَن يُقْدِم على الفعل، وليس المَرض هو الَّذي يدفعه نحو ذلك. فعلى سبيل المثال: بعضُ مَرْضَى الاكتئاب يَصعُب عليهم الاهتمام بالنَّظافة الشَّخصيَّة، أو التَّفاعل مع الأصدقاء أو الانخراط في المناسبات الاجتماعيَّة، أو الاستذكار أو العمل. فإنْ لم نُدْرِك أنَّ المَرض هو ما يَمنعهم عن ممارسة حياتهم الطبيعيَّة، وليس كَونهم مسؤولين أو غير مسؤولين، أو لأنَّهم لا يحبُّون أصدقاءَهم وأُسَرَهُم بشكلٍ كاف؛ فلن نستطيع تقديم الدَّعم اللَّازم.

قياسًا على ذلك، قد نعتقد أن المنتَحِر يَقتل نفسه، في حين المَرضُ هو ما يَدفع الشَّخصَ إلى قتل نفسه، بدون تَحكُّم كامل منه. هذا لا يعني فقدانَ الوعْي والإدراك، بل عدمَ القدرة على رؤية حُلول لمستوى الألم النَّفسيِّ المتفاقم، الَّذي يعانيه الشَّخص. إنَّ المنتَحِر يتصرَّف كشخصٍ في وضعٍ استثنائيٍّ، لا يَملك من الطَّاقة ما يمكِّنه من مقاومة المرض. فهو في حاجة إلى تَدخُّل طبِّيّ لإعادة التَّوازن الكيميائيِّ للمخِّ، عن طريق تحفيز النَّاقلات العصبيَّة المسؤولة عن الحالة المزاجيَّة: كالسِّيراتونين، والدُّوبامين، والأوكسيتوسين، والإندورفين.

إذًا، نحن أمام شخص يحتاج إلى التَّفهُّم والدَّعم والمساندة الطِّبِّيَّة والنَّفسيَّة. نعم، يساعد الإيمانُ في رحلة العلاج النَّفسيِّ، كوسيلةٍ مُسانِدة لإيمان الشَّخص بإلهٍ رؤوف رحيم يَهتمُّ بشأنه، ويمتلك القدرة على شفائه. فالإيمان هنا شأنُه شأن دوائر الدَّعم من العائلة والأصدقاء؛ إذ هو ضروريٌّ لرحلة العلاج، ولكنَّه غير كافٍ للشِّفاء. فقد رأينا مؤمنين مُصابِين بالاكتئاب، ألقَوا بأنفسهم من الشُّرفة المُطلَّة على المسجد الحرام في الأعوام الماضية. وقد يضاف اعتقادُهم بفشل الإيمان في حلِّ مشكلتهم، إلى عدم الإيمان تمامًا، أو اعتقادُهم بضعف إيمانهم؛ ما يزيد الأمور تعقيدًا، بسبب الإحساس بالذَّنب تجاه ضعف إيمانهم.

إذًا، المنتحِر لا يَقتل نفسه "عمْدًا"، ولا يَملك وحده القدرة على التَّخلُّص من هذا المرض، بل هو مُتَوَفًّى نتيجة لمرض يَصعُب علاجه، لفقدان الوعي المجتمعيّ به، وصعوبة وُصول الشَّخص إلى الدَّعم المطلوب. فبِمَ يختلف الموتُ بالانتحار كنتيجةٍ لاكتئاب أو فِصَام أو ذُهَان، عن الموت بالسَّرطان أو الأزمة القلبيَّة أو غيبوبة السُّكَّريّ؟ ولِمَ نعتقد أنَّ الأمراضَ العضويَّة تُكفِّر الذُّنوب، والمَرضَ النَّفسيَّ يُكثرها؟ ولِمَ نَحسب أنَّ مَن مات وهو يُصارع المرض العضويَّ شهيدٌ، ومَن مات يصارع المرضَ النَّفسيَّ أو العقليَّ كافرٌ؟

يجب أن نضع نُصْب أعيُنِنا إبقاء البشر على قيد الحياة، والمحافظة على الصِّحَّة النَّفسيَّة والجسديّة على حدٍّ سَوَاء. لذا، شُغْلُنا الشَّاغل يجب أن يكُون فَهْم الأسباب المؤدِّيَة إلى الانتحار، وكيف يمكن تَفادِيها. فالاعتراف بالمَرض وماهيَّتُه، هو أوَّل خطوات الوقاية والعلاج.

رحِمَ الله جميعَ الأموات والأحياء، المَرْضَى مِنهم والأصِحَّاء.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق