الرئيسية > رأي عام > مقالات > هل يُحبُّ الله المُلحِدين؟
رشيد سعدي (المغرب)

هل يُحبُّ الله المُلحِدين؟

الإثنين ٢٠١٩/٩/٠٢م   |   ١٤٤١/١/٣ هـ

خلال السَّنوات الأخيرة، أصبحت ظاهرة الإلحاد واللَّادينيَّة جزءًا من النِّقاش الفكريِّ في المغرب حول حرِّيَّة المعتقد، وغدَت تُشكِّل تَحدِّيًا بالنِّسبة إلى الإسلام التَّقليديِّ، والتَّساؤل حول قُدرة المؤمنين/ات على تدبير هذا النَّمط الجديد من الاعتقاد الـ”مُزعج والمستفِزّ”.

تتضارب الإحصائيَّات في العالم الإسلاميِّ حول عدد المُلحدين/ات، لكن الأرقام كلّها تبقى معبِّرة عن بروز نمط جديد، من الوعي المبنيِّ على حرِّيَّة التَّعبير والتَّفكير من خارج الأديان أو ضدَّ الأديان. لكن، ما يبدو أكثر إثارةً للقلق، هو أنَّ أكبر عدد من الملحدين/ات جرى تسجيله في دول تُعتَبر محافِظةً دينيًّا. وفي سياق ثورة الاتِّصالات والمعلومات، انتشرت العشرات من القنوات و الصَّفحات في مواقع التَّواصل، يُديرها شباب/شابّات استطاعوا جذب الآلاف من المتابعين/ات، ويعلنون عقيدتهم الرَّافضة لفكرة الألوهيَّة، ويقُومون بنقدٍ منهجيٍّ لأُسس الإسلام.

ماذا يعني انبثاق هذا الفعلِ النَّقديِّ بالنِّسبة إلَيَّ كمُسلم؟ وكيف يمكنه أن يشكِّل استفزازًا إيجابيًّا، من شأنه أن يعمِّق البعد الأخلاقيَّ داخل الإسلام؟ قد لا أكون مقتنعًا بالانسجام المعرفيِّ للإلحاد، لكنَّ التزامي الأخلاقيَّ كمُسلم، يَفرض عليَّ أن أعترف بأنَّ إنكار الألوهيَّة أو انتقاد الإسلام، يشكِّل حقًّا من حقوق الإنسان أكَّده القرآن في أكثر من آية، حيث يناقِش حواريًّا فكرةَ الإلحاد ليُبيِّن تَهافُتها، فضلًا عن أنَّه يشكِّل طريقًا إلى البحث عن الحقيقة. لذا، فإنَّ الإلحاد كمَوقف فكريٍّ جزءٌ من تاريخ الإسلام، جسَّده العشرات من المفكِّرين/ات.

 إنَّ الاعتراف بالإلحاد كحقٍّ إنسانيٍّ، يعني رفض أن يكون موضوعًا للتجريم القانونيِّ. ثمَّ إنَّ الإسلام يَفترض -كالتزامٍ أخلاقيٍّ- التَّعاطف مع الَّذين تَعرَّضوا -ولا يزالون- للاضطهاد بسبب موقفهم الإلحاديِّ، بحُجَّة نبْذِ الدِّين أو ازدرائه. مِن هنا، فإنَّ الوظيفة الإيجابيَّة للإلحاد، هي أنَّه يكشف عن قُدرة المؤمنين/ات على القبول والتَّعايش، مع فكر قد يبدو أنَّه يقوِّض أسُس الدِّين نفسه. ثمَّ إنَّ إيماننا يجب ألَّا يمنعنا من الوعي، بأنَّ الإلحاد هو جزءٌ من التَّعقيد والغموض الرُّوحيِّ للعالم. لذا، يجب أن نَفهمه خارج ثنائيَّة الحقِّ والضَّلال، ونتفادى القراءات التَّبسيطيَّة، الَّتي تنطلق من فكرة أنَّه يشكِّل خطرًا على الأديان، أو أنَّه مؤامرة أو مرضٌ نفسيٌّ عُصابيّ.

إنَّ أكثر النِّقاط أهمِّيَّةً هنا، هي أنَّ الإلحاد –كعقيدة- يوجِّه إلى كلِّ الأديان انتقادات، يجب أن تأخذها مأخذ الجِدِّ. فيعتقد كثير من الملحدين/ات أنَّ تاريخ كلِّ الأديان، هو تاريخ تبرير الاستبداد واضطهاد المخالفين/ات. لذا، يمكن أن نفهم تزامُن الثَّورات السِّياسيَّة والتَّنوير، مع انبثاق فلسفة الإلحاد. لكن، يبقى أنَّ النَّقد الأكثر عمقًا، الذي يوجِّهه الإلحاد إلى الأديان، يتعلَّق بتصارُعها، وتناقُضها، وادِّعاء كلٍّ منها أنَّها تُجسِّد الحقيقة.

غالبًا ما يكُون الإلحاد ردَّ فِعل على انحرافات المتديِّنين/ات. لذا، يمكن الرَّبط بين تَنامِي ظاهرة الإلحاد في العالم الإسلاميِّ، وتَنامي الممارسات العنيفة للجماعات الدِّينيَّة المتطرِّفة، أو حتَّى انتشار خطاب التَّكفير. ولعلَّه من المثير للاهتمام، أنَّ الكثير من الملحدين/ات كانوا أعضاءً في الجماعات الإسلاميَّة المتشدِّدة، أو حتَّى دعاةً وعلماء دين، لم يعُودوا قادرين/ات على التَّعايش مع ما يعتبرونه “تناقضات” الإسلام.

يمكن القول: إنَّ الإلحاد يشكِّل المِرآة، الَّتي تعكس المساحات المقْلِقة داخل كلِّ الأديان. لذا، تاريخيًّا، استطاع المَوقف الإلحاديُّ، أن يجعل بعض الأديان تنخرط في عمليَّة نقدٍ ذاتيٍّ، وتبحث عن أنماط جديدة للمعقوليَّة الدِّينيَّة. بل إنِّي أعتقد أنَّ تاريخ الإلحاد هو جزءٌ من تاريخ الإيمان، بل إنَّه قد لا يَخرج عن الخطَّة الإلهيَّة لخلاص البشريَّة. لكنِّي في الوقت نفسه، أدافع -كمُسلم- عن فكرة التَّفوُّق المعرفيِّ والوجوديِّ للإيمان. فالإلحاد قد يفصل الإنسان عن معنى الوجود، وقد يؤدِّي إلى العدميَّة، والانتقال من فكرة “موت الإله” إلى فكرة “موت الإنسان” نفسه، وسيطرة المادِّيَّة الاستهلاكيَّة. وقد يتحوَّل تدريجيًّا إلى دين جديد، قد لا يقلُّ انغلاقًا وعنفًا عن بعض الأديان التَّقليديَّة.

هل الله فعلًا موجود؟ أعتقد أنَّ هذا السُّؤال الفلسفيَّ، قد يتحوَّل يومًا ما ليصبح: “هل هو موجود من خلالنا؟ وهل نُجسِّد في سلوكنا وأفكارنا الحضور الإلهيَّ من خلال حبِّ الآخرين، مهْما كانوا مختلفِين/ات عنَّا؟

أحيانًا أتساءل: هل يحبُّ الله الملحدين/ات؟ أعتقد ذلك. فكما يقول الشَّاعر الصُّوفيُّ حكيم سنائي: “الإلحاد والإيمان يسيران معـًا.. على طريق الرَّبّ”. فالله الحقيقيُّ -كما علَّمَنا مولانا جلال الدِّين الرُّوميّ- تتساوى عنده المعتقدات، و تتلاشى عنده كلُّ الثُّنائيَّات. والله أعلم.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.