الرئيسية > رأي عام > مقالات > وثيقة الأُخوَّة الإنسانية وانتصار مبدأ العيش معًا
نايلا طبارة (لبنان)

وثيقة الأُخوَّة الإنسانية وانتصار مبدأ العيش معًا

الثلاثاء ٢٠١٩/٢/١٩م   |   ١٤٤٠/٦/١٤ هـ

كان لي الشرف أن أُدْعى مطلع الشهر الحالي إلى “أبو ظبي”، لحُضور زيارة قداسة البابا الأُولَى لِلخليج، ولقائه بإمام الأزهر الدكتور أحمد الطيِّب، وإطلاقهما وثيقة الأُخوَّة الإنسانية بتاريخ 4 شباط/فبراير 2019.

قبل إطلاق الوثيقة، شدَّد كلٌّ منهما على بعض النقاط في حديثه إلى جمهور من 400 شخص، في “صرح زايد” المؤسَّس في أبو ظبي. فدعا شيخ الأزهر المسلمين في الدول العربية، إلى الانفتاح على المسيحيين وبناء علاقات وُدّ وأخوّة معهم، مذكِّرًا بالعلاقات الوطيدة بين المسلمين والمسيحيين منذ بدايات الإسلام. بعدها، وجَّه رسالة إلى المسيحيين في الشرق: “أنتم جزء من هذه الأمّة… وأنتم مواطنون كامِلُو الحقوق والواجبات… ولستم أقلِّيَّة”. ثم وجّه رسالة إلى أتباع الدِّيانتَين معًا: “اعلموا أن وَحْدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطَّم عليها المؤامرات”. أيضًا تَوجّه إلى المسلمين في الغرب، داعيًا إيّاهم إلى أن يندمجوا في مجتمعاتهم اندماجًا إيجابيًّا، يحافظون فيه على هُويّتهم الدينية، وأن يحافظوا على احترام قوانين هذه المجتمعات، مضيفًا: “واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤولية شرعية وأمانة دينية في رقابكم، تُسألون عنها أمام الله تعالى”. فكانت الكلمة دعوة واضحة وعمليّة إلى العيش معًا.

أمّا قداسة البابا، فقد شدّد على أن الخالق يريدنا أن نعيش معًا كإخْوة، وأنّ كلَّ الناس متساوُون في الكرامة. فلا نستطيع عبادة الله دون احترام كرامة كلّ إنسان، وحقوق كلِّ فرد، لأن الله لا ينظر إلينا بعين التفرقة التي تُقصي، بل بعين حاضنة للجميع. وأضاف: إنّ ما يدعونا إليه الله، هو أن نعمل جميعُنا كمؤمنين، لكرامة الجميع بِاسْم “الرحمن”. أمَّا أهمُّ رسالة في كلمته، فكانت التركيز على مبدَأَي حرية المعتقد وحقِّ الاختلاف، مشدِّدًا على أن التعددية هي مشيئة الحكمة الإلهية، وأنّ مبدَأَي حرية المعتقد وحقِّ الاختلاف، يَنبعان من هذه الحكمة.

بالطبع، مَرّ ذِكْر التحدِّيَات المعاصرة، وعلى رأسها التهجير والجوع والحروب والأوضاع غير الإنسانية، ومَرّ ذِكْر سوريا والعراق وليبيا واليمن من قبل البابا، إلّا أن الاثنين أرجعا أسباب الحروب إلى النَّزَعات المادية والفردانية. وبعد كلِمَتَيهما، وقّعا على ثلاث نُسَخ من وثيقة الأُخوّة الإنسانية.

هذه الوثيقة هي أول وثيقة في التاريخ، تُوقّع من قِبَل قداسة البابا وشيخ الأزهر. وعنوانها في حدِّ ذاته يُرينا أنها أوّلًا صَوتُ ضمير للمؤسَّستَين الدِّينيَّتَين، اللَّتَين توضحان مسؤولية المؤمن عن الاعتناء بالخليقة والكون، وعن تقديم العون بدايةً للضعفاء والأكثر حاجة. فكأنما الوثيقة توضح أن الإيمان -قبل أن يكون هُويَّة وجماعة- هو التزام لمساندة جميع البشر، وتَعتبر الأُخوَّة البشرية نعمة إلهية، ومسؤولية إنسانية، تُركِّز في سطورها الأولى على المحتاجين والمهمَّشين والنازحين والمهجَّرين، وكلِّ الشعوب التي فقَدت الأمن والسلام والتعايش، مذكّرةً أنه على المؤمن المسيحي والمسلم، أن يهتمّا بكلِّ إنسان، وأن يَشعُرَا بآلامه، ويَعملَا لتخفيفها، ولإيقاف منابع الظلم.

تَدِين الوثيقة كلَّ ما يضع الإنسانَ في هذه الأوضاع، لا سيّما الحروب، وبشكل خاصّ الحروب المتلبِّسة غطاءً دينيًّا، مُعتبرةً إيَّاها انحرافات عن التعاليم الدينية الصحيحة، أو تأويلات لطائفة من رجال الدين في زمن ما. وتؤكّد إيمانَ المسيحيين والمسلمين المشترَك بِـ”أن الله لم يَخلق الناس ليُقتلوا، أو يقاتلوا، أو يُعذَّبوا، أو يُضيَّق عليهم في حياتهم ومعاشهم، وأنه -عزّ وجلّ- في غنًى عمَّن يدافِع عنه، أو يُرْهِب الآخرين بِاسْمه”.

بعد هذا التوضيح لِمَاهيَّة الموقف الإيماني المشترَك، يأتي التأكيد لِثوابت يَحملها الطرفان، ويَودَّان أن تُنشر في التعليم، وبين القيادات السياسية والمؤسَّسات الدينية والمنظَّمات العالمية والمحلِّيّة، وبين المسيحيين والمسلمين، وبين كلِّ ذوي إرادة صالحة. ومن ضمن هذه الثوابت:

– القناعة بأن التعاليم الدينية الصحيحة، تدعو إلى التمسُّك بقيم السلام والتعارف والأُخوَّة والعيش المشترك.

– الحرية، مثل حُرِّيّة الاعتقاد والتعبير والفكر والممارسة، كحقٍّ ثابت لكلِّ إنسان.

– الإيمان بمبدأ التعددية كمشيئة إلهية.

– المواطَنة المتساوية والعدل بين الجميع.

– حقوق المرأة والطفل والمُسنِّين والضعفاء.

– الرفض للإرهاب، وللتعدِّي على دُور العبادة.

– أهمية الحوار بين الثقافات، والحوار بين أتباع الأديان، والبناء على القيم المشتركة.

أخيرًا، ما يُضيف -بنظري- إلى قوّة هذه الوثيقة التاريخية، هو أنها تأتي في إطار علاقة أُخوّة بين شيخ الأزهر والبابا فرنسيس، تَظهر في جميع صُوَرهما وتفاعلهما. فهي بذلك رسالة للمسلمين والمسيحيين، بعدم الخوف من بعضهم بعضًا، وبالذهاب نحو بعضهم بعضًا، وبِحمل أمانةِ العيش معًا وكرامةِ كلِّ إنسان وحقوقه.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.