الرئيسية > رأي عام > مقالات > ولاية غير المسلمين في بلاد ذات أغلبية مُسْلِمة
مصطفى زهران (مصر)

ولاية غير المسلمين في بلاد ذات أغلبية مُسْلِمة

الأربعاء ٢٠١٩/٥/٠١م   |   ١٤٤٠/٨/٢٦ هـ

تُعتبر الظواهر المجتمعية/الدينية، واحدة من أهمِّ السِّمات الدالّة على مدى حيويَّة الفَواعل البشرية ونشاطها؛ وذلك من خلال الاشتباك المباشر مع محيطها الذى تلتفُّ به، وما تُفْرزه بِدَورها من آراء ورُؤًى ونقاشات، تأتي كترجمة وتعبير صادق، لنماذج صيغة التفاعلية. وهو ما يُمثِّل تجسيدًا واضحًا لحجم الجدليّات والإشكالات القائمة، خاصة حينما تتعلق بقضايا الدين والعقيدة، والتي تُعزِّزها طبيعة مجتمعاتنا المشرقية من تنويعات متشعِّبة ومختلفة، تتفرَّع مُسمَّياتها وتتعدَّد أنماطها السُّلوكيّة الممارَسة، وفقًا لجغرافيا المكان وتَبدُّل ظَرفيَّاتها الزمانية.

مِن الإشكالات والقضايا المثيرة للجدل مِن آنٍ إلى آخَر، في مجتمعات ذات أغلبيّة مُسْلِمة، تُجاوِرها أقلِّيّات إثنيَّة من مِلل أخرى في واقعنا المَعِيش؛ مَدى تَقبُّل المسلمين لولاية غيرهم من “أهل الكِتاب”، حسب الأدبيّات الفقهية. ودار هذا الإشكال بين رجال الاختصاص من أهل الفقه تارة، وأهل السَّاسَة تارة أخرى. فتأرجحَ بين المُراوحة والمزاوجة بين ما هو ديني وسياسي؛ ما ساهم بدوره في تعميق أزمته. فلم تتبَلْور رؤية واضحة تمزج بينهما؛ أي بين الديني والسياسي، لا سيَّما أن اعترافنا بأنّ هناك مَن يحاول انتزاع التأثير المجتمعي الواضح، من حيث استفتاء المجتمع في الرفض أو القبول دون وصاية سياسية أو دينية، حالَ دون خروج مقارَبة في تَولية غير المسلمين، وامتطائهم أدوارًا خارج نطاق التشريع والسلطة الدينية، حتى أضحت على حالتها القائمة عبْر امتداداتها المكانية الواسعة.

نَسُوق في مقالنا هذا أُنموذجَين، يدُلَّان على حجم هذه الجدليّة، وما تُمثِّله من إشكال يبحث عن حلٍّ بين أَرْوِقة السياسة والدين، خاصة أن الأنموذجَين بَعيدان جغرافيًّا، وقريبان من الناحية السوسيولوجيا الدينية. أحدُهما شرق أوسطي في مصر، والآخر في شرق آسيا، وتحديدًا في إندونيسيا، وهو ما سنستهلُّ به.

كان لافتًا أخيرًا إصدار جمعية نهضة العلماء (النُّسخة الأزهرية الإندونيسية)، وكبرى الجمعيات الدينية هناك، بيانًا على هامش مؤتمر أعدَّتْه في آذار/مارس 2019، أشارت خلاله إلى حصر مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين وغيرهم، في مُصطَلح “غيْر المسلمين”، وإلى عدم تداول مصطلحات التكفير وما شابهها؛ تعزيزًا لفكرة الدولة المدنية الحديثة، وتفعيلًا للمواطَنة في بلد يتجاوز عدد سكانه 250 مليون نسمة، منهم أكثر من 90% من المسلمين، والبقية مسيحيون وهندوس وبوذيُّون وأقلِّيّات أخرى.

بَيْد أن ذلك لا يُمْكن أن يَمحي من الذاكرة الإندونيسية، ما حدث منذ ما يقارب العامَين في العاصمة جاكرتا، مِن تظاهرات حاشدة، نجحت في عزل حاكمها المسيحي السابق “باسوكي تجاهاجا بورناما” وإيقافه، على إثر استشهاده بآية من القرآن الكريم، تُشير إلى  عدم جواز ولاية المسيحي على المسلمين –رغم كَونها ولاية اجتماعية-، من خلال الانتخاب المباشر؛ إذ رأى المتظاهرون في ذلك، تَجرُّؤًا على الولوج في مساحات عَقَدِيَّة تَخصُّ المسلمين.

في مِصر، في أحد أهمِّ الأقاليم الكبيرة، وتحديدًا محافظة المنوفيّة، وعلى إثر وفاة نائب برلماني في الدورة الحاليّة؛ تَقدَّم مرشَّح قبطي بأوراقه، للترشح في ذات الدائرة التي فقدَت نائبها المسلم. واللافت أن المرشَّح القبطي كان داخل دائرة ريفيّة، تَعجُّ بالتَّمَظهرات الدينية الإسلامية المحافِظة، وتَشتبك مع الفهم الأُصوليّ للدين أحيانًا، ومع العُرف والتقاليد المتوارَثة أحيانًا أخرى. وعلى الرغم من ذلك كلِّه، وجَد دعمًا قويًّا من المسلمين، الذين بالغوا في تأييده ومؤازرته. بَيْد أن الملاحَظ في ظلِّ تَنافُسيَّة المرشَّحين الآخرين، وفي الدائرة الانتخابية الواحدة، هو الحديث بِولاية المسيحيّ المجتمعية، قبْل تَحوُّلها إلى ولاية سياسية، عبر انتخاب الرجل القبطيّ نائبًا برلمانيًّا، في مجلس يمثِّل الشعب المصري، ويُحْرج قرارات تشريعية، منها ما يخص المسألة الدينية في مصر.

هُنا، طفَت على السطح جدليّة الولاية لغير المسلم على المسلم؛ ما دفَع رجالًا قَرويِّين، يمثِّلون نُخبًا ريفيّة عِلمائية مُسْلمة داخل هذه الدائرة الانتخابية، إلى محاولة تفسير صلاحيَّة الولاية المجتمعية وتوضيحها، في أنْ تتحوَّل ولايةً سياسية. وهذا يَعني أنَّ ما يقدِّمه القبطيُّ مجتمعيًّا، من دعم ومؤازرة لشركاء الوطن المسلمين، انطلاقًا من فكرة المواطَنة، باعتبارهم أبناء بلد واحد، وتأكيدًا لِهُوِيَّة الملَّتَين اللَّتَين تُظلُّهما سماء واحدة؛ يُؤَهِّله لِأَنْ يُوَلَّى عليهم، خاصة إن كان بيْن المرشَّحين الآخرين مَن تَنقصه تلك الأهليَّة.

ذلك الأمر لم تتقبَّلْه دوائر مجتمعية أخرى في هذا الإقليم، واعتبرَتْه يدقُّ ناقوس الخطر على مستقبل التشريع الإسلامي في البلاد، في حال إتمام الأمر لرغبات الأقباط هناك. وهو ما أثار إرباكًا لدَى الناخبين، دفَع بِبعضهم إلى استشعار أن نجاح الرجل قد يمثِّل خيانة لله والدين. وأيضًا دفع ببعض الناخبين -حين انسحب القبطي وأعلن خسارته بعد إعلان فوز المرشَّح الآخر المسلم-، إلى اعتبارها معركة أخرى، انتصر فيها صلاح الدين على الصليبيِّين، رغم اختلاف السياق والظرفيّة الزمنية.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.